آيات القرآن خزائن العلم

كتاب الله خزائن العلم وكنوز المعرفة

روي عن الامام علي بن الحسين السجاد زين العابدين× انه كان يقول: «آيات القرآن خزائن، فكلما فتحت خزانة ينبغي لك ان تنظر فيها»[1].

والخزانة يقال للمخزون المخبوء عن الانظار، وآيات القرآن خزائن من العلم والمعرفة، وهذه الخزائن مستورة عن عيون الناس، وليست معروضة، ولا ينالها الإنسان إلاّ كما ينال الخزائن المخزونة من المال والبضاعة، بعد تعب وجهد، فكلما قرأت آية من كتاب الله وتأملت فيهافتح الله ـ تعالى ـ عليك خزانة من هذه الخزائن.

وهذه الخزائن بطبيعة الحال هي العمق الفكري والعلمي لكل آية من كتاب الله، ولا ينال عامة الناس بالنظرة البدائية الأولى العابرة الى كتاب الله هذا العمق الفكري لآيات القرآن، ولا تكاد الرؤية البدائية الى القرآن تتجاوز السطح الظاهر منه.

سطح القرآن وعمقه

للقرآن ـ اذن ـ سطح وعمق، ظاهر يفهمه عامة الناس وهو مقصود في كتاب الله، وعمق تحت هذا الظاهر، لا يناله إلاّ الذين آتاهم الله تعالى نظرة نافذة وبصيرة بكتابه، والى ذلك تشير الرواية النبوية المعروفة «ان للقرآن ظهرا وبطناً ولبطنه بطناً الى سبعة ابطن».[2]

وما نقصده من عمق القرآن شيء آخر غير ما تقول المذاهب الباطنية التي تنفي ظاهر القرآن، فهذه المذاهب تنفي ان يكون للقرآن ظاهراً مقصوداً، ولا شك ان للقرآن ظاهراً، وهذا الظاهر مقصود ومطلوب، والعمق الذي تحت هذا الظاهر يندرج فيه ويتضمنه.

اعماق أربعة لآية واحدة من القرآن

ونستعير من ابحاث السيد الطباطبائي& في القرآن نموذجا واحداً من باطن القرآن.

يقول تعالى: {وَاعْبُدوا الله وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً}.[3]

1 ـ والظاهر الذي يتراءى للانسان في تفسير هذه الآية الكريمة ان الآية تنهى عن عبادة الاوثان، كما في قوله تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأْوْثانِ}.[4]

2 ـ إلاّ اننا بالتأمل في الآية الكريمة بالمقارنة بآيات اُخرى من كتاب الله نلاحظ العبودية شيء أعمق من الطقوس التي يمارسها الوثنيون في عبادة الاصنام، والنهي في الآية الكريمة أوسع من النهي عن عبودية الاوثان خاصة. فان العبودية هي الانقياد، والطاعة، والتسليم في مقابل الانقياد لله تعالى وفي عرضه، وهذا الانقياد والطاعة لغير الله من الشرك بالله تعالى، فان الله عز وجل هو وحده الذي يستحق على الإنسان الطاعة والانقياد والتسليم.

ولذلك فان القرآن يعتبر الانقياد للشيطان وطاعته من العبودية لغير الله، التي يحرمها القرآن، وليس من شك ان الانقياد للشيطان ليس من سنخ طقوس العبودية التي يمارسها الوثنيون لا صنامهم، يقول تعالى: {ألَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يابَني آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَيْطَانَ}.[5]

فالآية (36) من سورة النساء ـ اذن ـ تريد من العبودية شيئا اعمق من المعنى الذي ذكرناه أولا، وفي دائرة اوسع من الاوثان تشمل كل شيء يطيعه الإنسان من دون الله، وإنما نقول من دون الله، لان الطاعة بأَمر الله من طاعة الله، وهي من صلب التوحيد.

3 ـ وبتأمل أكثر في هذه الآية الكريمة، وبمقارنتها بالآيات الاُخرى من كتاب الله نخرج بتفسير اوسع واعمق للعبودية، فكل استجابة لغير الله تعالى (ولا بد من وضع هذه الكلمة) تعتبر من العبودية لغير الله، اذا كانت الاستجابة في مقابل الاستجابة لله تعالى، ومن دون اذنه، حتى لو كان الإنسان يستجيب لرغباته النفسية واهوائه وشهواته من دون اذن الله، وفي مقابل أمر الله ونهيه، فهو من التسليم لغير الله، ولا يختلف الحال في ان يكون (الغير) الذي تحرم الاستجابة له (من دون الله) هو الإنسان نفسه أو غيره من شيطان وطاغوت ووثن.

يقول تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخذَ إِلهَهُ هَواه}.[6]

والناس اذ يستجيبون لاهوائهم، فليست هذه الاستجابة بالتأكيد من نوع عبوديّة الوثنيين للاوثان، ولكن القرآن يعتبر هذه الاستجابة للهوى ومن دون اذن الله ـ من الطاعة والانقياد والتسليم لغير الله، وبالتالي من العبودية لغير الله، ولذلك يسمّى (الهوى) في هذه الحالة (إلهاً) للانسان.

فالعبودية الحقيقية هي الاخلاص والتوحيد في طاعة الله تعالى، وتخليص النفس من كل استجابة لغير الله تعالى، حتى لو كانت الاستجابة لرغبات النفس وشهواتها واهوائها.

4 ـ وبتأمل اكثر في معنى (العبودية) في هذه الآية الكريمة بمقارنتها بسائر الآيات نجد ان التوجه الى أي شيء غير الله، ومن دون الله ـ تعالى ـ يساوق بدرجة من الدرجات: الغفلة عن الله ـ تعالى ـ فكل توجه وذكر بغير الله، وفي مقابل الله تعالى، يعني ان نمنحه استقلالية في مقابل الله تعالى. فالعبودية الحقيقية هي ان يعطي الإنسان كل توجهه وذكره لله تعالى، ولا يغفل عن الله في حال، ويعطي لغير الله ذكره وتوجهه.

وانما يذكر غير الله ويتوجه الى غير الله في امتداد ذكر الله تعالى والتوجه اليه. وحينئذ لا يكون من الغفلة عن الله في شيء، بل هو تكريس وتأكيد لذكر الله.

اما التوجه والذكر لغير الله، ومن دون ان يكون امتدادا لذكر الله، فهو من الغفلة عن الله، وهو بمعنى الشرك به تعالى، واعطاء الاستقلالية لغير الله، وفي مقابل الله تعالى، حتى يأخذ شطرا من ذكر الإنسان واهتمامه وتوجهه.

تأملوا في هذه الآية المباركة من سورة الاعراف: {ولقد ذرأنا لجهنَّم كثيراً منَ الجنِّ والإِنسِ، لهُمْ قلوبٌ لا يفقهون بها ولهُمْ أَعينٌ لا يُبصرونَ بها، ولهُم آذانٌ لا يسمعونَ بها أولئك كالأنعامِ بلْ هُمْ أَضلُّ أُولئكَ هُمُ الغافلون}.[7]

ان القضية التي يستحق بها الإنسان جهنم، في هذه الآية المباركة، هي الغفلة عن الله تعالى، الغفلة التي تعطل العيون والاذان (في القلب) عن رؤية الله، وعن السمع له تعالى. هذه الغفلة الصارفة للابصار والاسماع عن الله تعالى لا تكون إلاّ عندما تكون هناك الى جانب محور ذكر الله ـ تعالى ـ في قلب الإنسان بؤرة اُخرى لاستقطاب الذكر والاهتمام والتوجه في نفس الإنسان، من دون الله تعالى، فينصرف قلب الإنسان، أو شطر من قلبه لتلك البؤرة الغريبة فيكون الإنسان ذاكراً لغير الله وبمقداره تكون الغفلة عن الله. اولئك كالانعام في الاهتمام بغير الله، الذي يساوق الغفلة عن الله، بل هم أضل من الانعام، لان الانعام في هذه الغفلة لا تملك أداة الوعي والذكر في نفسها. أما الإنسان فقد آتاه الله اداة الذكر والوعي في نفسه، وهو يستعمله في التوجه لغير الله، ويعطّل هذه الاداة عن عملها ودورها.

وهؤلاء الغافلون عن ذكر الله قد ذرأهم الله لجهنم. وهذه مرحلة دقيقة من الشرك بالله ـ تعالى ـ في الذكر وتوجه القلب ادق من المراحل السابقة.

فالآية الكريمة(36) من سورة النساء اذن تبدو لنا في المرحلة الاولى انها ناظرة الى نبذ عبادة الاوثان والاصنام، وهذا هو الظاهر من الآية الكريمة، وبالتأكيد هذا الظاهر مقصود ومراد. وفي المرحلة الثانية يتراءى لنا: ان الشرك في العبودية يشمل كل طاعة للغير من دون اذن الله تعالى، وبه تكون الطاعة للشيطان من الشرك بالله تعالى.

وفي المرحلة الثالثة نجد ان العبودية والشرك أوسع وأدق من المعنى الذى عرفناه في المرحلة الثانية. ان كل استجابة لغير الله، من دون اذن الله من الشرك حتى لو كانت الاستجابة هذه للنفس ورغباتها وشهواتها.

وفي المرحلة الرابعه نلتقي عمقاً جديداً لهذه الاية الكريمة فكل ذكر وتوجه لغير الله من الغفلة عن الله، وهو من الشرك بالله تعالى في الذكر والعبودية.

هذه الاعماق كلها بطون للآية الكريمة وكلها لا ينافي المعنى الظاهر الأول للآية الكريمة ولا يصادره، وانما يعمقه، وكل واحدة من هذه المعاني خزانة من خزائن المعرفة تنطوي تحت هذه الآية الكريمة.

ثلاثون عمقاً لآية واحدة من القرآن

وأود ان انقل هنا القصة التالية التي يرويها الفقيه آية الله السيد محسن الحكيم& في كتاب (حقائق الاُصول)، يقول&: «حدث بعض الاعاظم ـ دام تأييده ـ انه حضر يوماً منزل الآخوند ملا فتح علي+ مع جماعة من الاعيان منهم السيد اسماعيل الصدر& والحاج النوري صاحب المستدرك&، والسيد حسن الصدر ـ دام ظله ـ فتلا الآخوند& قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أنَّ فيكُمْ رَسُولَ الله لَوْ يُطيعُكُمْ في كَثيرمِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ… }.[8]

ثم شرع في تفسير قوله تعالى: حبب اليكم الايمان… الآية. وبعد بيان طويل فسرها بمعنى لمّا سمعوه منه، واستوضحوه استغربوا من عدم انتقالهم اليه قبل بيانه لهم. فحضروا عنده في اليوم الثاني، ففسرها بمعنى آخر غير الأول، فاستوضحوه ايضاً، وتعجبوا من عدم انتقالهم اليه قبل بيانه.

ثم حضروا عنده في اليوم الثالث فكان مثل ما كان في اليومين الأولين.

ولم يزالوا على هذه الحال كلما حضروا عنده يوما ذكر لها معنى الى ما يقرب من ثلاثين يوماً فذكر لها ما يقرب من ثلاثين معنى.[9]

وقد روي عن اميرالمؤمنين علي× في عمق وسعة افق آيات القرآن والكنوز التي اودعها الله تعالى في كتابه لاهله: «لو شئت لاوقرت سبعين بعيراً من فاتحة الكتاب»[10].

ظاهره انيق وباطنه عميق

ومن عجب ان هذا الظاهر والباطن متناسقان فلا ينفي الظاهر العمق، ولا ينفي العمق الظاهر، وتحتفظ الآية من القرآن في الوقت الواحد بجمال الظاهر وعمق الباطن… وهو من اعجب وجوه الاعجاز في القرآن الكريم.

يقول اميرالمؤمنين× في صفة القرآن، وصفة ظاهره وباطنه «وله ظهر وبطن، فظاهره حكم، وباطنه علم، ظاهره انيق وباطنه عميق»[11] وفي موضع آخر من كلامه× في صفة القرآن: «ان هذا القرآن ظاهره انيق، وباطنه عميق، لا تفنى عجائبه، ولا تنقضي غرائبه، ولا تكشف الظلمات إلاّ به»[12].

والذي ينظر الى القرآن يلتقي اول ما يلتقي جمال الظاهر: في الاداء والتعبير، وفي استعمال مفردات اللغة، في جزالة اللفظ، وسهولة تركيب الجملة واحكامها… .

وفي ملاحظة ظلال الكلمات والتركيبات، من الناحية النفسية، وفي موسيقى الالفاظ والتركيبات، وفي القدرة التصويرية الفائقة للتركيبات القرآنية… .

وفي ملامسة الضمير والفطرة والقلب، لمسا مباشرا، ومن دون واسطة. وفي هذه الشحنة الهائلة من التأثير في النفوس… هذه القوة التأثيرية الهائلة والعجيبة التي تجذب الناس جذبا قويا الى كلام الله، والتي كانت تحير الطغاة والمتمردين من قريش في توجيهها وتفسيرها، ولم يكونوا يجدون لها توجيها، غير ان يقولوا: انه من السحر، وهو توجيه ينم عن الاعتراف، والعجز، والخبث، والمكر في آن واحد.

يقول تعالى في تصوير هذا العجز البشري تجاه القرآن، وهذه القوة الهائلة التي يملكها القرآن في التأثير في نفوس الناس، وهذا التوجيه الهزيل (التوجيه بالسحر) الذي كانوا يواجهون به قوة القرآن في قصة الوليد بن المغيرة {إنَّه فَكَّرَ وَقَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّر، ثُمَّ نَظَرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَر، ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ، فَقَالَ إنْ هذا إلاّسِحرٌ يؤثَرُ، إن هذا إلاّ قَوْلُ الْبَشَرِ}.[13]

ان هذا الجمال، وهذا الاحكام، وهذه الاناقة في السطح الظاهر من آيات القرآن من آيات الاعجاز في كتاب الله.

وتُضم الى هذه الآية آية اُخرى في الاعجاز، اكبر، واعظم، وهي الاعماق والخزائن التي تنطوي تحت آيات القرآن، مما لا يراها الإنسان، لأول وهلة، وفي النظرة الاُولى، كما ينظر الإنسان الى الارض، فلا يرى عليها شيئاً، فاذا تحرى وحفر التقى بكنوز الارض وخزائنها. وهذه معجزة ثانية.

ومعجزة ثالثة وهي ـ لا تقل عن الأوليين ـ الجمع بين اناقة الظاهر وعمق الباطن في آية واحدة.

ينابيع العلم

وامر هذه الخزائن عجيب فان الخزائن عادة تحتوي على مخزون محدود يقل او يزيد مما لا يراه الناس اما خزائن المعاني والمفاهيم والأفكار والعلم والمعرفة، والحكمة من القرآن فليس لها حد، كلما نال الإنسان منها نصيبا من المعرفة والحكمة التقى بعرق جديد من المعاني والافكار والحكم، وكأنه العين والمعين الذي لا يستنزفه، كلما اخذوا منه حل محله ماء جديد من خزائن الله تعالى تحت الارض.

وهذه الحقيقة يعرفها جيداً العلماء الذين يغترفون من بحر القرآن، فقد مر على هذا الكتاب اربعة عشر قرناً، يخوض في بحره العلماء والمفسرون والحكماء والمفكرون، وكلما جاء جيل جديد من المفكرين والعلماء والمفسرين فتح الله ـ تعالى ـ لهم من خزائن كتابه ما لم يعرفه من قبلهم من المفسرين والعلماء.

فخزائن المعاني والمعرفة في القرآن يشبه المعين الذي لا ينضب، والعين التي لا تنقطع عن الجريان، والمعدن الذي تتصل جذوره باعماق الارض، لا ينفد مافيه مهما اخذ الناس منه.

يقول أميرالمؤمنين× في صفة القرآن: «فهو معدن الايمان، وبحبوحته، وينابيع العلم وبحوره، ورياض العدل، وغدرانه، وأثافي الاسلام وبنيانه، وأودية الحق وغيطانه، وبحر لا يستنزفه المستنزفون، وعيون لا ينضبها الماتحون، ومناهل لا يغيضها الواردون… جعله الله ريا لعطش العلماء، وربيعاً لقلوب الفقهاء.»[14] ويقول× ايضا في صفة القرآن: «لا تفنى عجائبه ولا تنقضي غرائبه»[15]، «فيه ربيع القلب وينابيع العلم وما للقلب جلاء غيره»[16].

غضاضة القرآن

وكما أن للقرآن أعماقاً لا تنضب ولا تنفد، كذلك للقرآن فعل وتأثير هائل ومتصل في النفوس. وهذا الفعل والتأثير القرآني على النفوس شيء آخر غير المحتوى الهائل والمتصل لاعماق القرآن وان كان له علاقة به.

وهذا التأثير في النفوس من مميزات القرآن وخصائصه التي يتميز بها، فهو تأثير وفعل قوي وفي نفس الوقت متصل ومستمر.

وكلما التقى الإنسان القرآن، وجلس اليه وتفاعل معه… ترك القرآن في نفسه انطباعاً جديداً، واثراً جديدا غير الانطباع والاثر الذي تركه في نفسه من قبل، وقام عن القرآن بفائدة جديدة، ونور جديد، وزاده هدى على هداه، واستقامة على استقامته، ونوراً على نوره، وسلب منه شكا او ريبا او ضعفا او عمىً.

يقول اميرالمؤمنين×: «ما جالس هذا القرآن احد إلاّ قام عنه بزيادة او نقصان، زيادة في هدى، او نقصان من عمى»[17].

وهو كلام عجيب ينبئ، بقوة وثقة، عن طبيعة هذا القرآن واثره في النفوس… فلم يجالسه احد، مهما كان ـ شريطة ان يجالس القرآن ويتفاعل معه ـ إلاّ ويقوم عنه بزيادة أو نقيصة، زيادة في المعرفة والهدى، ونقيصة في الجهل والضلال.

وأعجب ما في هذا الأمر هذه الغضاضة والطراوة التي يتصف بها القرآن بصورة دائمة، والتي تجعل كل تلاوة وقراءة للقرآن، وكل جلوس مع القرآن كأنه لقاء جديد، وقراءة جديدة، وتفاعل جديد، ووعي وفهم جديدين لكلام الله.

ان كل حديث يتكرر على الإنسان ويلتقيه الإنسان مرات متوالية يفقد طراوته، وغضاضته، وتأثيره، وفعله، وايحاءه في النفس عدا القرآن، فلا يفقد طراوته وغضاضته بكثرة الترداد والتكرار، بل بالعكس تماماً، كلما كان جلنوس الإنسان الى القرآن أطول، وتفاعله مع القرآن اكثر، كان جذب القرآن لنفسه أقوى، وطراوته وغضاضته اكثر. وفي الرواية عن رسول الله في صفة القرآن: «لا يخلق من كثرة القراءة»[18] وعنه2 ايضا: «كتاب الله… لا يخلق على طول الرد، ولا تنقضي عبره ولا تفنى عجائبه»[19].

وعنه2 ايضاً: «كتاب الله واهل بيتي. الكتاب هو القرآن وفيه الحجة والنور والبرهان كلام الله غض طري جديد شاهد»[20].

وعن الامام الباقر محمد بن علي‘: «ان القرآن حي لا يموت، والآية حية لا تموت، فلو كانت الآية اذا نزلت في الاقوام، وماتوا ماتت الآية، لمات القرآن، ولكن هي جارية في الباقين، كما جرت في الماضين»[21].

وعن الامام الصادق×: «ان القرآن حي لا يموت، والآية حية، كما يجري الليل والنهار، وكما تجري الشمس والقمر، يجري على آخرنا كما يجري على اولنا»[22].

والتشبيه رائع ودقيق، فكما لا تَخْلق آية تكور الليل والنهار، وآية الشمس والقمر، وتبقيان آيتين دائمتين، لهما في كل يوم ظهور جديد، كذلك القرآن له في كل تلاوة تأثير جديد، وايحاء جديد، وفعل جديد في النفوس.

سُئِلَ الامام الصادق جعفر بن محمّد×: «ما بال القرآن لا يزداد على النشر والدرس إلاّ غضاضة؟ فقال×: «لأن الله وتبارك وتعالى لم يجعله لزمان دون زمان، ولا لناس دون ناس، فهو في كل زمان جديد، وعند كل قوم غض الى يوم القيامة»[23].


الهوامش والمصادر

  • [1] ـ الكافي: 2/446.
  • [2] ـ تفسير الصافي: المقدمة الثامنة، وسفينة البحار: مادة (بطن).
  • [3] ـ النساء: 36.
  • [4] ـ الحجّ: 30.
  • [5] ـ يس: 60.
  • [6] ـ الجاثية: 23.
  • [7] ـ الاعراف: 179.
  • [8] ـ الحجرات: 7.
  • [9] ـ حقائق الاصول: 1/95 و 96.
  • [10] ـ بحار الأنوار: 92/ باب ان للقرآن ظهراً وبطناً ح82.
  • [11] ـ الكافي 2/438.
  • [12] ـ نهج البلاغة: الخطبة رقم 18.
  • [13] ـ المدّثر: 18 ـ25.
  • [14] ـ نهج البلاغة: الخطبة رقم 198
  • [15] ـ نهج البلاغة: الخطبة رقم 18.
  • [16] ـ نهج البلاغة: الخطبة رقم 176.
  • [17] ـ بحار الأنوار: 92/24; ونهج البلاغة: الخطبة رقم 174.
  • [18] ـ تفسيرالعياشي: 1/3.
  • [19] ـ تفسيرالعياشي: 1/7.
  • [20] ـ مستدرك الوسائل: 1/288.
  • [21] ـ تفسير العياشي: 2/203 ح6.
  • [22] ـ المصدر السابق.
  • [23] ـ عيون الاخبار الرضا×: 1/87.
بواسطة
الشيخ آية الله محمد مهدي الآصفي
المصدر
كتاب في رحاب القرآن 1 (وعي القرآن)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق