المنهج القرآني في عمارة القلوب

المنهج القرآني

والمنهج القرآني في عمارة القلوب منهج متكامل ضمن ثلاث خطوط ذلك ان الكائن الحي يواجه نوعين من العوامل:

  • عوامل البناء (الغذاء).
  • عوامل التخريب (الامراض).

وكما ان الكائن الحي لا بد له من عوامل البناء والنمو كذلك لا بد له من مكافحة عوامل التخريب. وهذه المكافحة تتم بطريقتين: (الوقاية) من عوامل التخريب والافساد قبل ان تنفذ عوامل التخريب في جسم الكائن الحي، والعلاج والشفاء منها بعدما تنفذ هذه العوامل في جسم الكائن الحي. والمنهج القرآني منهج متكامل في عمارة القلوب وسلامتها يعتمد على ثلاثة خطوط:

  1. ـ تغذية القلوب بالايمان اولا وبذكر الله ثانيا، وبالعلم والمعرفة ثالثا.
  2. وقاية القلوب وتحصينها بالتقوى من السقوط في المعصية، والتلوث بالهوى، وحب الدنيا ومراقبة القلب بصورة دقيقة.
  3. شفاء القلوب المريضة والمتلوثة بالهوى بالتوبة والتزكية.

واليك شرح هذه النقاط الثلاثة بايجاز.

القرآن غذاء القلوب

جعل الله تعالى في القرآن غذاء لقلوب المؤمنين، وهذا الغذاء والامداد الالهي الذي يقوّم قلوب المؤمنين هوالايمان والذكر والمعرفة.

والقرآن يمنح القلوب الايمان، ويزيدهم ايمانا على ايمانهم.

{وَإذا ما اُنْزلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ ايماناً فَأمَّا الَّذينَ امَنُوا فَزادَتْهُمْ إيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ، وَأمَّا الَّذينَ في فُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إلى رِجْسِهمْ، وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ}[1].

والقرآن ذكر وتذكير للقلوب المؤمنة:

{إنْ هُوَ إلاّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبينٌ}[2].

{كَلاّ إنَّهُ تَذْكِرَةٌ، فَمَنْ شاء ذَكَرَهُ}[3].

{وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر}[4].

والقرآن كتاب معرفة ونور وهدى وبصائر من الله:

{يا أيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأنْزَلْنا إلَيْكُمْ نُوراً مُبيناً}[5].

{شَهْرُ رَمَضانَ الَّذي اُنْزِلَ فيهِ الْقُرآنُ هُدىً لِلنّاسِ وَبَيِّنات مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ}[6].

{هذا بَيانٌ لِلنّاس وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقينَ}[7].

{هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ، وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْم يُؤْمِنُونَ}[8].

{هذا بَصائِرُ لِلنّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْم يُوقِنُونَ}[9].

القرآن وقاية وصيانة للقلوب:

والقرآن كتاب وقاية وصيانة للقلوب يصون القلوب ويقيها من السقوط في المعصية والتلوث بالاهواء ويقيها من سلطان الهوى ونفوذه.

التقوى:

والتقوى هي الاداة المفضلة في القرآن لصيانة القلوب ووقايتها ومن اهم اهداف القرآن وغاياته.

{وَكَذلِكَ أنْزَلْناهُ قُرْاناً عَرَبيّاً وَصَرَّفْنا فيهِ مِنَ الوَعيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ اَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً}[10].

{فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدّاً}[11].

{وَهذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}[12].

{ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فيهِ هُدىً لِلْمُتَّقينَ}[13].

المراقبة:

والاداة المفضلة في القرآن للوقاية هي (المراقبة): وهي تعميق حالة الوعي لمراقبة الله تعالى لعباده والمداومة على هذا الشعور بصورة مستمرة، واذا تمكن الإنسان من تعميق هذه الحالة من الوعي لمراقبة الله تعالى له في نفسه، فانها تقيه وتحفظه من السقوط في المعاصي، والخضوع لسلطان الاهواء والشهوات. والقرآن يعمل على تكريس الشعور بمراقبة الله تعالى لعباده وحضوره في حياة ـ الناس ـ ونياتهم واعمالهم بشكل كامل، فليس في هذا الكون شيء يخفى على الله تعالى، ويغيب عنه سبحانه. يقول تعالى:

{وَاعْلَمُوا أنَّ الله يَعْلَمُ ما في أنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ}[14].

{وَكانَ الله عَلى كُلِّ شَيْء رَقيباً}[15].

{وَهُوَ مَعَكُمْ أيْنَ ما كُنْتُمْ}[16].

{أَلَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ الله يَرى}[17].

{فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا}[18]

{يَعْلَمُ خائِنَةَ الأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورِ}[19].

{أَلَمْ تَرَ أنَّ الله يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وَما في الأْرْضِ مايَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَة إلاّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٌ إلاّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أكْثَرَ إلاّ هُوَ مَعَهُمْ أينَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَة إنَّ الله بِكُلِّ شَيْء عَليمٌ}[20].

وهذا الوعي الدائم والمستمر لمراقبة الله تعالى لعباده، ولحضوره تعالى في حياتهم واعمالهم، واقوالهم ونياتهم وخواطر قلوبهم… يصون القلوب ويحفظها عن السقوط في المعاصي والتلوث بالاهواء والشهوات، ويقيها من الغفلة عن الله والانصراف عنه تعالى.

القرآن شفاء للقلوب:

واذا تلوثت القلوب بالشهوات، وسقط الإنسان في المعاصي والذنوب، وتكدرت القلوب وفقدت شفافيتها، واصابتها الغفلة عن الله، وانحرفت، فان القرآن شفاء للقلوب المريضة، وتقويم للقلوب المنحرفة.

{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرانِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤمِنينَ وَلا يَزيدُ الظّالِمينَ إلاّ خَساراً}[21].

{قُلْ هُوَ لِلَّذينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذينَ لا يُؤمِنُونَ في آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً اُولِئَكَ يُنادَونَ مِنْ مَكان بَعيد}[22].

وتلفت النظر هذه المقاربة بين الذين امنوا والذين لا يؤمنون، فان القرآن هدى وشفاء للذين امنوا، من داخل فطرتهم وقلوبهم، اما الذين لا يؤمنون، والذين تحجرت فطرتهم، فان هذا النداء، وهذه الدعوة دعوة غريبة على نفوسهم، وكأنهم يسمعونها من كان بعيد. يقول تعالى:

{يا أيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤمِنينَ}[23].

التوبة والتزكية:

وشفاء القلوب يتم بالتوبة والتزكية. والقرآن يدعو عبادالله الى التوبة والرجوع والعودة الى الله تعالى {يا أيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا تُوبُوا إلَى الله تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنّات تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأنْهارُ}[24].

{وَتُوبُوا إلَى الله جَميعاً أيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}[25].

يدعو القرآن عبادالله الى تزكية نفوسهم، وتطهيرها، مما اصابها من المعاصي، والذنوب، والشرك، والهوى، وبعث الله تعالى رسوله2 بمنهاج واسع وكامل لتزكية النفوس وتطهيرها مما اصابها من المعاصي والاهواء والشرك.

يقول تعالى: {وَنَفْس وَما سَوّاها، فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْوَاها، قَدْ افْلَحَ مَنْ زَكّاها، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها}[26].

{كَمَا أرْسَلْنا فيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَّكيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ والْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ}[27].

{هُوَ الَّذي بَعَثَ في الاُميّينَ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفي ضَلال مُبين}[28]. فالقرآن منهاج الهي شامل يتعهد سلامة القلوب، وعمارتها، ووقايتها، وشفاءها، والقلوب التي ينفذ اليها القرآن، وتتفاعل مع القرآن، وتعي القرآن ويسكن فيها القرآن تسلم من الامراض والانحرافات، وبالتالي تسلم من عذاب الله تعالى يوم القيامة


الهوامش والمصادر

  • [1] ـ التوبة: 125 ـ124.
  • [2] ـ يس: 69.
  • [3] ـ المدّثر: 54 ـ55.
  • [4] ـ القمر: 17.
  • [5] ـ النساء: 174.
  • [6] ـ البقرة: 185.
  • [7] ـ آل عمران: 138.
  • [8] ـ الاعراف: 203.
  • [9] ـ الجاثية: 20.
  • [10] ـ طه: 113.
  • [11] ـ مريم: 97.
  • [12] ـ الانعام : 155.
  • [13] ـ البقرة: 2.
  • [14] ـ البقرة: 235.
  • [15] ـ الاحزاب: 52.
  • [16] ـ الحديد: 4.
  • [17] ـ العلق: 14.
  • [18] ـ الطور: 48.
  • [19] ـ المؤمن: 19.
  • [20] ـ المجادله: 7.
  • [21] ـ الاسراء: 82.
  • [22] ـ فصلّت: 44.
  • [23] ـ يونس: 57.
  • [24] ـ التّحريم: 8.
  • [25] ـ النّور: 31.
  • [26] ـ الشمس: 7 ـ10.
  • [27] ـ البقرة: 151.
  • [28] ـ الجمعة: 2.
بواسطة
الشيخ آية الله محمد مهدي الآصفي
المصدر
كتاب في رحاب القرآن 1 (وعي القرآن)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق