القرآن أداة لشرح الصدور

كان أمير المؤمنين× يقول إذا ختم القرآن: «اللّهم اشرح بالقرآن صدري، واستعمل بالقرآن بدني، ونور بالقرآن بصري، واطلق بالقرآن لساني، وأعنّي عليه ما ابقيتني»[1].

والقرآن في كلام الإمام هنا، ليس فقط الغذاء والنور الذي يعمّر الله تعالى به صدور عباده، وإنما هو أداة لشرح الصدور أيضا.

فلكي تدخل معاني القرآن ومفاهيمه الربانية صدور الناس لابد من أن تتسع له الصدور وتستوعبه، فإذا كانت الصدور ضيقة حرجة، فلا تستوعب من مفاهيم كتاب الله إلاّ النزر القليل فلا بدّ من ان تتسع اواني الصدور لما ينزل عليه من رحمة الله وهو دعاء العبد الصالح، كليم الله، موسى بن عمران× حيث دعا الله تعالى بقوله: {رَبِّ اشْرَحْ لي صَدْري، وَيَسّرْ لي أمري، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِساني، يَفْقَهُوا قَوْلي}[2].

فيدعو الله تعالى، أولاً، ان يشرح صدره، ليتلقى من نور الله وهديه، وهذه هي المرحلة الاُولى، ثم يحلّ عقدة من لسانه، لتجري عليه الحكمة، وليفقهوا قوله، ولينفذ كلامه إلى نفوس الناس، وهذه هي المرحلة الاخيرة في هذا الشوط من الدعاء، فالقرآن (غذاء) والقرآن (وعاء) والقرآن (عطاء).

والإمام× يدعو الله تعالى لهذه المراحل جميعاً، وهو من أروع الدعاء، وافضله، واشرفه.

المراحل الثلاث في دعاء ختم القرآن

فهو يدع الله تعالى، أولاً، أن يشرح صدره، وان يمنح إناء صدره وقلبه سعة، ليستوعب هدى الله، ونوره، ومعاني القرآن، ومفاهيمه الربانية: (اشرح بالقرآن صدري).

ثمّ يدع الله تعالى: أن ينزل على صدره، وقلبه، وسمعه، وبصره، نوره وهديه ورحمته (ونوّر بالقرآن بصري).

ثمّ يدع الله: أن يجري هذا النور والهدى الذي آتاه على لسانه.

وهذه مراحل ثلاث مجتمعة في هذا الدعاء: أن يشرح الله صدر عباده اولاً، ثمّ ينزل على صدورهم نوره ورحمته، ثمّ يجري ما انزل على صدورهم على السنتهم[3].

ومن العجيب أن الإمام× يطلب من الله تعالى هذه المراحل الثلاث كلها بالقرآن. فالقرآن هو مفتاح شرح الصدور، ومفتاح استنزال النور والهدى من لدن الله، والمفتاح الذي به يجري الله تعالى ما يرزق عباده من حكمة وهدى على ألسنتهم، ومفتاح العطاء.

ونقرأ الدعاء مرة أخرى للمزيد من التأمل في هذه الفقرات العجيبة من كلام الإمام×:

«اللّهم اشرح بالقرآن صدري، واستعمل بالقرآن بدني، ونور بالقرآن بصري، واطلق بالقرآن لساني، واعنّي عليه ما ابقيتني».

ومن دون القرآن لا نور للأبصار، ولا هدى في الصدور.

وليست القلوب والصدور والأفئدة، كما قلنا منابع ومصادر للنور، وإنما هي أوعية صالحة لاستقبال النور من عند الله تعالى، وهذا النور، والسداد، واليقين هو كتاب الله، فاذا فتح الإنسان منافذ قلبه وصدره على القرآن تلقى من القرآن هذا النور والوعي والبصيرة، الذي يمكنه من توجيه حركته إلى الله، وتلقى من الله العزم والقوة، التي تمكنه من مواصلة السير في هذا الطريق، وإلاّ فان القلب يبقى إناءً مظلما لا نور فيه.


المصادر والهوامش

  • [1] ـ بحار الأنوار 92 /209.
  • [2] ـ طه: 25 ـ 28.
  • [3] ـ قد يدعو الفلاّح ان ينزل الله عليه مطرا، وهذا دعاء مفيد بلا شك ولكنه غير كاف وقد يدعو ان ينزل الله عليه مطرا ويرزقه ارضا خصبة تنتفع بالمطر. فان الارض السبخة لا تنتفع بالمطر مهما نزل عليها وهذا دعاء افضل من الدعاء الاول بلا شك ولكنه غير كاف. فان الله قد ينزل المطر ويرزق الفلاّح خصوبة في ارضه. ولكن بعض الاعراض الارضية والسماوية تتلف عليه ثمرة ارضه وقد يدعو الله تعالى ان يرزقه مطرا وارضا خصبة وثمرة طيبة مباركة، وهذا هو الدعاء الكامل. ودعاء امير المؤمنين× يشبه هذا الدعاء فهو يطلب من الله النور والوعي ويطلب منه شرح الصدر ويطلب منه تعالى ان يجري ما انزل على صدره على لسانه ويستعمل به بدنه.
بواسطة
الشيخ آية الله محمد مهدي الآصفي
المصدر
كتاب في رحاب القرآن 1 (وعي القرآن)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق