القرآن هو الصراط إلى الله

القرآن هو صراط الله الذي رسمه لعباده. وهو الصراط الوحيد الذي يوصل الإنسان إلى الله تعالى، ويتطابق بشكل دقيق مع فطرة الإنسان، ويرسم حركة الفطرة البشرية إلى الله تعالى.

وهو صراط قيّم ومهيمن على شؤون الإنسان كلها، ينظم كل جوانب حياته ويتصدى لتنظيمه وإدارته، ويتولى القيمومة عليه بكل أبعاده. لاكما في السبل الأخرى التي تتولى جانباً من حياة الإنسان وتهمل آخر.

وهذا الصراط بالدقة هو مسار الفطرة الإنسانية، وهو لذلك قيّم على الإنسان ومهيمن عليه بكل أبعاده، فلا يخرج من دائرة قيمومته جانب من جوانب شخصيته.

يقول تعالى في صفة القرآن: {اِنّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدي لِلّتي هِيَ اَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنين الّذينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ اَنّ لَهُمْ اَجْراً كَبيراً}[1].

والاقوم هو الأكثر قيمومة وهيمنة على الإنسان.

وليس في هذا الصراط عوج عن خط الفطرة، وأما ما بأيدي الناس من الخطوط ففيها الكثير من الانحراف عن خط الفطرة التي فطر الله، وهو تعالى خالق هذه الفطرة، والعالم بها، وبمسارها، وحركتها، وحاجتها، وقد رسم للناس في هذا الكتاب صراطاً قيّماً، غير ذي عوج، على خط الفطرة.

يقول تعالى: {اَلْحَمْدُ للهِ الّذي اَنزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيّماً لِيُنْذِرَ بأساً شديداً من لدنه ويبشر المؤمنين}[2]{قُرآناً عربياً غير ذي عوج}[3].

ويصف القرآن هذا الصراط الذي يهدي إليه بالنور تارة، وبالبرهان أخرى:

{كِتَابٌ اَنزَلْناهُ اِلَيْكَ، لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ اِلى النُّور بِاذْنِ رَبِّهِم اِلى صِرَاطِ الْعَزيزِ الْحميدِ}[4]{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا}[5] {قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ*يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ}[6].

ولأن القرآن صراط الله المستقيم الذي يخرج به الناس من الظلمات إلى النور فهو نور وبرهان في حياة الناس ولا يحتاج الى نور وبرهان ونحن انما نحتاج الى «النور» عند الظلمة ونحتاج الى «البرهان» عند الشك، اما النور والبرهان فلايحتاجان الى نور وبرهان.

والناس إذا حكّموا فطرتهم وعقلهم لم يسلكوا غير طريق القرآن، ولم يترددوا في الأخذ بهدى القرآن وبصائره.

وإنما يضل الناس عن صراط العزيز الحميد لانهم يواجهون القرآن بالإعراض والصدود، وإلاّ فان القرآن نور لا ظلمة فيه، وبرهان لا ريب فيه.

يقول تعالى: {ذلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فيهِ}[7].

ويقول تعالى: {هذا بَيَانٌ للناسِ}[8].

ولا تجتمع هذه الخصائص العجيبة في شيء إلاّ عندما يتطابق تطابقاً دقيقاً مع الفطرة، فيجد فيه الإنسان مرآةً لنفسه وفطرته، فيُقبل عليه دون تردد أو تلجلج. فمن تدبر في القرآن لا يجد فيه ريبا أو لبساً، وإنما يتردد الناس في هذا القرآن في حالات انغلاق النفوس والقلوب وفي حالات الصدود والإعراض.

{اَفَلا يَتَدَبّرُونَ القُرآنَ اَمْ عَلى قُلُوب اَقْفالُهَا}.[9]

وإلى هذا المعنى تشير الرواية عن الرسول2: «القرآن هدى من الضلالة، وتبيان من العمى، واستقالة من العثرة، ونور من الظلمة، وضياء من الأحداث، وما عدل أحد من القرآن إلاّ إلى النار»[10] فالقرآن هو الهدى، والنور، والبيان، ولا يعدل عنه أحد إلاّ إلى النار، فليس بين الهدى والضلال من برزخ. {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ}[11]، فمن انحرف عن القرآن سقط لا محالة في الضلالة والنار. عن رسول الله2: «إن هذا القرآن هو النور المبين… من استضاء به نوّره الله، ومن طلب الهدى من غيره أضلّه الله، ومن جعله إمامه الذي يقتدي به ومعوّله الذي ينتهي إليه آواه الله إلى جنات النعيم»[12].

إن الذي ينحرف عن النور يقع في الظلمة لا محالة، والذي ينحرف عن الصراط المستقيم يقع في الظلالة.

{قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ*يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}[13].


المصادر والهوامش

  • [1] ـ الاسراء: 9.
  • [2] ـ الكهف: 1ـ2.
  • [3] ـ الزمر: 28.
  • [4] ـ ابراهيم: 1.
  • [5] ـ النساء: 174.
  • [6] ـ المائدة: 15ـ16.
  • [7] ـ البقرة: 2.
  • [8] ـ آل عمران: 138.
  • [9] ـ محمد: 24.
  • [10] ـ اصول الكافي 2/439.
  • [11] ـ يونس: 32.
  • [12] ـ بحار الأنوار: 92/31. عن تفسير الامام العسكري×.
  • [13] ـ المائدة 15 و 16.
بواسطة
الشيخ آية الله محمد مهدي الآصفي
المصدر
كتاب في رحاب القرآن 1 (وعي القرآن)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق