إمام المستقبل أم إمام الزمان؟

“يضيف الكاتب في مقطعٍ جديد من رسالته: “إنَّ هؤلاء السادة حين يعتقدون: أنَّ الإمام سيملأ البسيطة مستقبلاً بالعدل والقسط. وفي جوابه نقول: إذاً الإمام الذي يتحدّثون عنه هو إمام المستقبل وليس إمام الزَّمان“.

الجواب: هذه التهمة غير صحيحة. والسبب أنَّ أحداً من علماء الشّيعة ومتكلميهم لم يذهب للقول إنّ معنى الإمامة هو بسط العدل والقسط. في حين أجمع الكل على أنَّ ظهور الإمام الغائب يقترن مع بسط العدل والقسط.

وثمة – كما لا يخفى – فرق بين القولين.

نقرأ في جزء من الرسالة قول الكاتب: “إذا كان الله يريد أن يملأ العالم في المستقبل بنور العدالة فما الحاجة يا ترى لأن يخلق إنساناً قبل ألف عام ويذخره لهذه المهمة طوال هذه القرون؟ فهل يعجز الله – نعوذ بالله – من خلق هذا الإنسان وإيجاد هذا الإمام في الوقت المناسب؟ أم أنَّ الله سبحانه وهو القدوس القادر يصنع عبثاً؟ ثمّ هل نحسب أنّ حساب الله يستوي مع حساب البشر، إذ يقوم الإنسان بادّخار فاكهة الشتاء إلى الصيف لأنّه ليس بمقدوره الحصول عليها في الصيف؟”.

الجواب: إنَّ من لوازم القدرة المطلقة والاستطاعة غير المتناهية أن يكون بمقدوره (سبحانه) فعل العمل التدريجي الذي يحتاج لزمنٍ ومهلة، وفعل العمل الفوري المباشر الذي يكون للحظته.

فهاتان الممارستان كلتاهما مظاهر القدرة والاستطاعة المطلقة. على صعيد آخر أثبتت نتائج البحوث العلمية المعاصرة أنَّ العالم الذي نعيش فيه يقوم – دون استثناء – على قاعدة الحركة التدريجية، فكلّ شيء يتحرّك بتدريج دون أن يكون في ذلك تنافٍ مع قدرة الصانع.

وهذه القاعدة التي تطّرد حتّى تعمّ كل الموجودات وأجزاء العالم لا تفرّق – في حساب الدليل العقليّ التامّ – في الاستحالة بين الساعة الواحدة وآلاف السنين، ولا تتأثر بالفاصلة الزمنية للتكوّن سواء أكانت قصيرة أم طويلة. أي لو كان في خلق العمل أو الجزء تدريجياً تنافٍ مع القدرة المطلقة للخالق لما اختلف الأمر بين اللحظة وآلاف السنين، فحساب الاثنين بملاك التأخير عجز في القدرة ولو لم يكن عجزاً لاستوى بين اللحظة وآلاف السنين أيضاً.

ثمّ إنّ هذا الإشكال يرِدُ على الكاتب ويعود عليه بدرجةٍ متساوية، فهذا الكاتب لو شاء أن يضع إصبعه على أي جزءٍ من أجزاء العالم، وعلى كل ظاهرة من ظواهره وكل موجود من موجوداته – وجميعها من خلق الله وصنعه – لوجدها تخضع لتدرّج في التكوّن والوجود، وهو مما يتعارض – بمقياسه – مع القدرة الإلهية المطلقة!

الشواهد كثيرة، منها: لماذا خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام ولم يخلقها في لحظة؟ أكان سبحانه عاجزاً عن ذلك؟ ولماذا يخضع النبات والحيوان في تحقّق وجوده الفعليّ إلى مسار تدريجيّ؟ ولماذا لا يخلق في لحظة واحدة؟ لماذا تستغرق نطفة الإنسان تسعة أشهر حتى تتحوّل إلى إنسان بالفعل؟ وهل الله عاجز عن خلقه في لحظة؟ لماذا أصبح الإنسان قادراً اليوم فقط وليس قبل الآن، على استخراج معادن الأرض والاستفادة من كنوزها رغم أنها مودعة في باطن الأرض قبل آلاف السنين, وقد أودعها الله للإنسان بالذات وذخرها له، حيث يقول تعالى: خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً[1]. فما معنى هذا الادّخار منذ آلاف السنين، ولماذا لم تُخلق للإنسان في لحظة الاستثمار؟ يضيف الكاتب في جزءٍ جديد من رسالته: “هم يقولون: إنّ الإمام ينبغي أن يكون من إمام قبله، أي إنّ أب الإمام ينبغي أن يكون إماماً أيضاً. ولذلك ادّخر الله ولد آخر الأئمة ذخيرة لليوم الموعود.

أقول: عجباً لهذا المنطق! كيف يكون ذلك، وأبو طالب والد أمير المؤمنين علي عليه السلام، لم يكن لا إماماً ولا نبياً؟ ألم يتأمّلوا حال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي لم يكن والده عبد الله نبياً ولا إماماً؟ وحين يكون أبو الأئمة خارجاً عن دائرة هذا الشرط، ولا ينطبق على رسول الله مع ما له من المنزلة والشأن الرفيع، فكيف يتّسق هذا مع ادّعائكم؟[2]“.

الهوامش والمصادر

  • [1] سورة البقرة، الآية 29.
  • [2] العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي قدس سره، مقالات تأسيسية، ص263-265.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق