خصائص عهد الإمام المهدي

يتّفق علماء الشّيعة والسنّة على هذا الحديث الشريف المنقول بالتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث يقول فيه: “لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يلي رجل من عترتي، اسمه اسمي، يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً”.. إذن فلا يوجد أدنى ريب في أنّ ظهور صاحب الزَّمان عجل الله تعالى فرجه الشريف أمر حتميّ قضاه الله سبحانه وتعالى، ولا يمكن أن ينقضي عمر الدنيا إلّا إذا تحقّق هذا الأمر.

ولذلك فإنّ انتظار ظهور الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف لا يختصّ بالشّيعة فقط بل يشاركهم في ذلك أهل السنّة حيث يروون من طرقهم الكثير من الأحاديث في هذا الباب.

ويقول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في حديث آخر (مبيّناً كيف أنه يرى بوضوح ذلك العهد الذي تتكامل فيه البشريّة وتصل إلى رقيّها المنشود)[1]: “المهديّ يبعث في أمّتي على اختلاف من النّاس والزلازل” (أي أنّه يظهر في ظرف يكون فيه بين أفراد البشر اختلافات ونزاعات شديدة، ولا يقصد بالزلازل هنا الزلازل الأرضية الطبيعيّة، بل المقصود تلك الأخطار الناشئة عن الأعمال المنحرفة للبشر والتي تهدّد بتدمير الأرض تدميراً شاملاً).. “فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً” (من البديهيّ أنّ هذا العمل لن يتمّ بالإكراه والإجبار، بدليل الفقرة التالية من الحديث).. “يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض” (أي أنّ حكمه سوف يُرضي جميع الموجودات التي تقول يومئذٍ بلسان الحال: الحمد لله الذي رفع به عنّا شرّ الظلم والجور نهائياً).

ثمّ يقول صلى الله عليه وآله وسلم: “يقسّم المال صحاحاً” فيقول الأصحاب: وكيف ذلك يا رسول الله؟ فيقول صلى الله عليه وآله وسلم: “يقسّم بالعدل والسويّة“. ويواصل صلى الله عليه وآله وسلم حديثه فيقول: “ويملأ الله به قلوب أمّة محمد صلى الله عليه وآله وسلم غنى، ويسعهم عدله” (هنا إشارة إلى الغنى المعنويّ)، أي أنّ القلوب سوف تُملأ بالصّفات العالية وتنظّف من الصفات الدنيئة كالبخل والطمع والحقد والحسد، وغير ذلك من الأشياء التي تشعر الإنسان بالفقر وإن كان جيبه مملوءاً بالمال.

ويقول أمير المؤمنين عليه السلام في “نهج البلاغة” مشيراً إلى عهد الظهور[2]: “حتّى تقوم الحرب بكم على ساق (أي تشتدّ الحروب وتدوم ردحاً من الزمن)، بادياً نواجذها (أي مكشّرة عن أنيابها كالسباع المفترسة، وذلك كناية عن كثرة الفتك والقتل بين النّاس)، مملوءة أخلافها (أي أثداؤها)، حلواً رضاعها، علقماً عاقبتها (أي أنّ تجّار الحروب والانتهازيّين يتوقّعون الفوائد العظيمة والمكاسب الكثيرة لأنفسهم من وراء تلك الحروب، ولكنّهم في النهاية لا يجدون إلّا طعم الخسائر المرّة كمرارة العلقم)، ألا وفي غدٍ، وسيأتي غد بما لا تعرفون (أي اعلموا أنّ المستقبل سوف يكون مليئاً بالأحداث التي لا تتوقّعونها)، يأخذ الوالي من غيرها عمّالها على مساوي أعمالها (أي أنّ أوّل عمل يقوم به ذلك “الوليّ الإلهيّ” هو عزل الحكّام الظالمين في الأرض واحداً بعد واحد، ونصب أعوانه الصالحين مكانهم فتنصلح الدنيا تبعاً لذلك)، وتخرج الأرض له أفاليذ أكبادها (أي كلّ ما أودع الله سبحانه فيها من الخيرات والمواهب والمعادن التي لم تخرجها حتّى ذلك الوقت)، وتلقي إليه سلماً مقاليدها (أي أنّه لن يبقى سرّ من الأسرار العلميّة المتعلّقة بالأرض إلّا ويكشف على يدي المهديّ المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف)، فيريكم كيف عدل السّيرة (أي كيف تكون العدالة الحقيقية ويثبت بذلك زيف كلّ هذا الضجيج الإعلاميّ في العالم حول حقوق البشر والحريّة والسلام.. إلخ)، ويحيي ميّت الكتاب والسنّة (أي يعيد إلى الحياة قوانين القرآن والسنّة النبويّة المحمّدية، التي بقيت متروكة ومهجورة مدّة طويلة من الزمن حتّى كادت أن تندثر)”.

ويقول عليه السلام في حديث آخر[3]: “إذا قام القائم حكم بالعدل (لمّا كان لكلّ واحد من الأئمة المعصومين عليهم السلام لقب يُعرف به بين النّاس ويكون مشتقاً من صفة أساسية تظهر فيه أكثر ممّا تظهر في غيره، فإنّ الإمام المنتظر له لقب مأخوذ من صفة القيام أي النهوض والثورة، فهو يلقّب (بالقائم) أي أنّه إذا ظهر فإنّه سيعلنها ثورة مستمرّة لا هوادة فيها ولا مهادنة إلى أن يصل إلى هدفه وهو إقرار العدالة في كلّ العالم، ولذلك فإنّه عجل الله تعالى فرجه الشريف يعرف بصفتي القيام والعدل)، وارتفع في أيّامه الجور (أي تنعدم هذه الصفة الذميمة من بين النّاس)، وأمنت به السُبل (فعندما تقوم العدالة الحقيقية في العالم، تنعدم أسباب الخوف والقلق، ويعمّ الأمن أرجاء المعمورة)، وأخرجت الأرض بركاتها (هذه هي جائزة الله سبحانه للناس عندما يقومون بالقسط ويرضون بحكم العدالة)، ولا يجد الرجل منكم يومئذٍ موضعاً لصدقته ولا برّه، وهو قوله تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾”.

وهكذا يتحدث الكثير من الروايات الإسلامية المتعلّقة بزمان الظهور عن السلام والوئام، وعن الأمن والازدهار، وعن البركة والوفرة، وعن زوال الرذائل والمفاسد من شرب الخمر والزنا.. إلخ، وعن تكامل الإنسان معنوياً بحيث ينفر بطبعه من الكذب والغيبة والنميمة والبهتان وما أشبه، وكلّ هذه الأشياء مبنيّة كما ذكرنا سابقاً على أساس فلسفة الإسلام الذي يرى أنّ عاقبة البشريّة هي العدالة التامّة الشاملة. ولكنّه لا يوافق الفكرة القائلة إنّ تلك العدالة التي سوف تأتي تعني أنّ تفكير الإنسان سوف يصل إلى مرحلة يقتنع فيها بأنّ منفعته هي في حفظ منافع الآخرين. ففي ذلك الزَّمان الموعود تصبح العدالة بالنسبة للإنسان بمثابة محبوب يعشقه، وذلك عندما ترتقي روحه، وتصل تربيته إلى حدّ الكمال، وهذا لا يحصل إلّا إذا وجدت حكومة مبنيّة على أساس الإيمان والتوحيد، ومعرفة الله، وتطبيق التعاليم القرآنية.

ونحن – معاشر المسلمين – سعداء لأننا على العكس من كلّ هذا التشاؤم الموجود في دنيا الغرب، فإننا نمتلك عقيدة متفائلة جداً بمستقبل البشريّة.

يقول (برتراند رسل) في كتابه “الآمال الجديدة”: “إنّ غالبيّة العلماء الغربيّين قد قطعوا آمالهم من المستقبل، وهم يعتقدون بأنّ العلم قد وصل اليوم إلى مرحلة أصبح يهدّد فيها البشريّة بالدمار الوشيك. ومن هؤلاء العلماء (أينشتين) الشهير الذي يصرّح بأنّ الإنسان أخذ اليوم يحفر قبره بيده، فلم يعد الأمر يحتاج إلى أكثر من الضغط على زرّ واحد، حتّى تكون الأرض ومن عليها في خبر كان!”.

ونحن لو لم يكن عندنا اعتقاد بالله وبالقدرة الغيبيّة الإلهيّة، ولو لم يطمئننا القرآن بشأن مستقبل البشرية، لكنّا مجبورين على أن نعطي الحقّ لهؤلاء المتشائمين، لأنّ الحرب العالميّة الثالثة عندما تنشب – لا سمح الله – فإنّ الأسلحة الاستراتيجيّة المتطورة المكتظّة بها ترسانات الدول (المتقدمة) لن تدع مجالاً بحيث يكون هنا غالب ومغلوب، بل سيكون مصير جميع شعوب العالم بلا استثناء هو الدمار والفناء. ونحن نعتقد مطمئنين بأنّه حتّى لو حصلت مثل هذه الانزلاقات الخطرة، فإنّ يد الله فوق كلّ شيء، بدليل قوله تعالى: ﴿وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا﴾.

ولقد قيل إنّ أفضل الأعمال هو انتظار الفرج، أي التفاؤل بمجيء الفرج الشامل والنهائيّ. والسبب في ذلك هو أنّ هذا الأمر يرمز إلى المستوى العالي للإيمان بالله تعالى والثقة التامّة بوعده. جعلنا الله من المنتظرين الحقيقيّين لفرج إمام زماننا عجل الله تعالى فرجه الشريف، ووفّقنا لإدراك دولة الحق والعدل التي سوف تقوم بإذن الله على يديه الشريفتين.

اللهمّ إنّا نرغب إليك في دولة كريمة تعزّ بها الإسلام وأهله وتذلّ بها النفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك والقادة إلى سبيلك، وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة”[4].

الهوامش والمصادر

  • [1] الأربلي، كشف الغمة في معرفة الأئمة، ج3، ص271.
  • [2] نهج البلاغة، ج2، ص22.
  • [3] الشيخ المفيد، الإرشاد، ص343.
  • [4] العلامة الشهيد الشيخ مرتضى مطهري، أصالة الروح، ص215-218.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق