يا شيعة الحسين

يا شيعة الحسين من دون *** رأسٍ شيعوا الحسين
دمائهُ جمدها النسيم *** والسهمُ في أحشائِهِ مُقيم

لم أرهُ طيفُ الهوى رآه *** والراشقُ الأحدبُ في الجنان
قطعةُ جُرحٍ ثائِرَ الدِماء *** لم يتركَ السيفُ بهِ مكان
فيهِ دمٌ يخيف جبرائيل *** يخشى بأن ينقطع الأمان
أو يصدر الأمر من القضاء *** برجعة الطوفان والدخان
يا أيها المذبوح ضامياً *** ألم تكن سقاية الزمان
لم يستحي من خصركَ الوقور *** فينتهي عن طعنهِ السنان
أفديكَ مصروعاً على الثرى *** نفسي وما زهقي لها بشان

يا شيعة الحسين *** فلا مقامَ بعد الراحلين
مكفنين ناسجَ الرياح *** مظللين حاطم الرماح

تأملوا التراب والنجيع *** مختلطا بمنحر الرضيع
غضّ النوار يابس الشفاه *** موسدٌ كف الهدى القطيع
عليه شيء من دم الحسين *** هذا لعمري منظر فضيع
واغدوا معي بنقلة الخيال *** نقف على مجدل صريع
نناده يا سيد الجمال *** أين جمال المصطفى الشفيع
أتغمرُ الدماء ثغرةً *** من بسمها ينطلق الربيع
أيجتزي الحسام من يدٍ كانت *** إلى معنى الندى تشيع

يا شيعة الحسين *** عزوا به محمد الأمين
والمرتضى والذكر واليقين *** وكل حرٍ بالعلا يدين

الشمسُ قد مالت عن المسار *** والأفقُ محمرَّ الضياء صار
جنائزٌ مجزورة النحور *** وفي مخيم الحسين نار
و زينبٌ تجري لخيمةٍ *** فيها يقيم الدين والوقار
إذا به يرتل الأنين *** فيخشع الأفلاك بالمدار
صاحت به يا عمدة التقى *** شبوا علينا النار بالستار
أجابها يا مجمع الأسى *** لوذي مع النسوة بالفرار
فانطلقت تسحب ذيلها *** من هولها تعثر بالصغار
كأنما يعدو الثرى بها *** لتلةٍ رسى بها القرار
صاحت بهِ حبيبي يا حسين *** على نساك قد عدى الشرار
إن كنت حيا يا أخي حسين *** أنهض وأدركنا من المغار
بلا كفيلٍ مذ هوى الكفيل *** يمينهُ لهفي على اليسار
فقام يبغي نجدها ثلاث *** لكنه يرتد بانهيار
وكلما هوى على الثرى *** تشتد فيه غرزة النثار
مناديا لكِ و للإله *** يا زينبٌ عظيم الاعتذار
ردي ولمي نثرة العيال *** وسلمي لله باصطبار

يا شيعة الحسين *** إمامكم بعرضهِ ضنين
زحفا يريد نجدة الخيام *** برغم ما فيه من السهام

في صومعات العرش بالأسى *** اختلطت مدامع الخشوع
وأنفتلت ملائك السجود *** وانتصبت أخرى من الركوع
وكلُ شيْ ما عدا القلوب *** القاسيات يذرف الدموع
والشمسُ لا تعلم فرضها *** أهو طلوعٌ أم هو الرجوع
وفي السماء عانق الخليل *** محمدا فأنفجع اليسوع
ويوشعٌ محتضن الوصي *** ومنهما زفرُ الجوى يلوع
وفاطمٌ تأمُ الزاكيات صلت *** بهنّ نفلة الجزوع
هذا حسينٌ رأسه على *** رأس القنا بنوره اللموع
مشتعلا بزاهر العلا *** كأنه محامل الشموع
يرتل الكتاب مثلما *** يرتل الوحي له السجوع
وصدرهُ مبرد الضما *** بوطأة الجرد على الضلوع
في عصبةٍ من عشقها *** الفداء عند الطعان تخلع الدروع
ماتوا وهم اعلى الورى يدا *** وحقهم أعلى الورى سطوع
ظلوا ثلاثا أخجلوا الثرى *** ريح الجنان منهمُ تضوع

يا شيعة الحسين *** كانوا من الغلة ذابلين
وذا على نهر الضما صريع *** وذا على جثته الرضيع

لك الجياد صهلة الجواد *** تفجر عين الدمع بالجماد
كصيحةٍ في العرش بانتحاب *** ذو نغمة الوحي إذا أعاد
يحوم حول فارس الوجود *** يدني على يمينه المقاد
يريد ان يرفع خدهُ عن *** ما تلظى من ثرى الوساد
يريد نزع أسهما بهِ *** لا سيما مثلث الفؤاد
مظللاً بفيئه عليه *** عسى عليه يبرد الوهاد
يجثو لديه فوق ركبتيه *** ليمسح الدماء والمداد
وكلما رآه يستغيث شب *** كمن يدعوا على العِباد
ويشتكي لله بالصهيل *** ظليمةً من أمة الفساد
قد قتلت إبن نبيها *** ونكست ألوية الرشاد

يا شيعة الحسين *** أمامكم معفرٌ طعين
وحرملٌ بسهمهِ رماه *** وناشبٌ في حلقه أذاه

سجل أيا تاريخ بازدراء *** وقل أيا لائمُ ما تشاء
في مشهدٍ عز على *** المثيل جنازةٌ تنذبها نساء
مع اليتامى تخضب الرؤوس *** من نبعة الجراحِ بالدماء
وكلها نسلٌ مطهرٌ *** أصولهُ لخير الأنبياء
تضربها العرب بصوتها *** معلنةً لشيخها الولاء
ويوم نادت زينب العلا *** ألا توارُ خامس الكساء
هذا أخي ريحانة الرسول *** وذرة العذراء والسماء
هذا الذي ناغاه جبرائيل *** ومنه يؤذي المصطفى البكاء
ملقا عليه تسكب الجراح *** من ما تفيض للغسيل ماء
صاح ابنُ سعدٍ شيبة الظلال *** بأصلكم لبوا لها النداء
فانطلقت عشرٌ من الخيول *** داست على الحسين بالعرى
ورضضت صدرا بهِ ثوى *** سرٌ به يستحفظ البقاء
إذا بجسم العلم والهدى *** صدرا لظهرٍ بالثرى سواء

يا شيعة الحسين *** إمامكم ونور الخافقين
دعامة الأمان والسلام *** منهُ الخيول تسحق العظام

ذرُ الرمال فوقهُ سفا *** وتحتهُ رضيعهُ غفا
يبدو من الأشواق *** ما اكتفى محتضنا إياهُ عاطفا
وإن إلى تقبيلهِ هفا *** قبلهُ النحر عن الشفا
جثمانهُ بوجههِ أنكفى *** ذبحتهُ تبدو من القفا
علله الهجير ما دفا *** ظلله الرميضُ وارثا
وما له من بارد صفا *** يبكي عليه الروح آسفا

يا شيعة الحسين *** إمامكم منهُ خذ الأنين
على الرميض غسلهُ دماه *** يطفي الثرى عليه ما ذراه

هذا الحسينُ عافرٌ قريح *** مقطع الأوداج بالصفيح
ملقى بلجة الدما ذبيح *** كأنما قد صلب المسيح
تحسبهُ بنورهِ طريح *** بدراً من الأنوار في ضريح
وجبرائيل في السما يصيح *** هذا الصراط الواضح الصحيح
هذا إبن خير ناطقٌٍ فصيح *** مخلدا في الذكر بالمديح
هذا النقي الطاهر المليح *** وسيفكم لنحرهِ يُبيح

يا شيعة الحسين *** إمامكم لا رأس لا يدين
مكن منهُ الصارم الجهول *** وكسرت أضلاعه الخيول

الأرض فيهِ تعدلُ السما *** هّلا رعيت فيهِ فاطما
بديمةٍ تبللُ الضما *** أو تغسل النحر عن الدما
أو كان عضوٌ به سالما *** يبدي لها وسميك الهِمَا
ردت على توبيخها السما *** خلفتهِ يا أرض راغما
عارٍ على رميضك أرتمى *** يكوي الجراح كلما حمى
يقضهُ صخركِ نائما *** أنتِ التي ألمتي فاطما

يا شيعة الحسين *** إمامكم بالدم كالسفين
لم يبقى عضوٌ ما بهِ جراح *** إذ كان نهب البيض والرماح

إذا طما التيار بالفرات *** يرشف الصخور والوجود
لكنهُ بشرعة السقاء *** أحمر في لون الدماء يعود
لأنه يضرب جثةً *** شديدة النزف من الزنود
عظيمةً كثيرة السِهام *** مجروحةٌ بالرأس من عمود
جودٌ لذا صاحبها مراق *** كأنه مات على الورود
وكان يحميه بقلبهِ *** يبدو كريما راحما ودود
شد اللواء بكفهِ القطيع *** كأنه يحاول الصمود
لم يرتوي بغمرةِ الرواء *** يبدو إلى أهوائه عنود
في عينهِ سهمٌ وحسرةٌ *** كأنهُ لم يبلغ الوعود
تشم في دمائهِ الإباء *** وفي يديه عزةٌ الوجود
ومن أبيه حيدرٍ لهُ *** شجاعةٌ في صولها رعود
و عجبي مغاث زينبا *** وفي الخيام لاهب الوقود
صّد كأن رأسه يقول *** أهل المنايا طبعها الصُدود
أُخيا فات اللوم فأنهضي *** وجهزي لكربلا اللحود
إلى بدورٍ برجها الثرى *** وذابح الشؤم لها السعود

يا شيعة الحسين *** ما كان عباسٌ لهُ معين
وإنما النفسُ بجنبتيه *** فقد رمى بروحهِ عليه

لكم توالى وارد المنون *** والهتك والعذاب والسجون
و أستشهد الرضع ناشقين *** سُما من الأحقاد والجنون
والحلمُ في مضاجع الصغار *** مفازعٌ تُسهد العيون
رأوا ذئابا أجنبيةً عليهمُ *** في الليل يهجمون
تحملُ في اكفها الرؤوس *** محصيةٌ في القلب أربعون
بينها رأس شيخنا الضرير *** يثير من وقاره الشجون
قد وضعوهُ في زنزانةٍ *** القبر عنها ظلمةٌ يهون
ويافعٌ للأم أرجعوا *** مقيدا مُجرح المتون
وأمراةٌ تجرُ شبلها *** وهم لهُ بالطعن يسحبون
ردوا لها بنهمةِ الوحوش *** حتى بلوغ الموت يضربون
أهؤلاء سادتي الكرام *** في وطني عدلا يُجنسون
فأين رأي الشعب فيهمُ *** ومجلسٌ بهِ المُشرعون
إن كان قانونا فهل *** قضى بحقهم فيها مُقننون
أم قصدكم كتيبة القوى *** بمنحهم لها تغيرون
فإن يكن هذا مرامكم *** أهكذا للعدل تمهدون
فالشعب مصدرٌ للسلطات *** إياكمُ عليه تقفزون
فكان أولى أخد رأيهِ *** وعندها بالرأي تحكمون
ومنطق الدستور حاكمٌ *** وفي اعتراض الشعب تنظرون
فالسنةُ والشيعةُ تقول *** لهؤلاءِ نحنُ رافضون
عليكمُ ان توقفوهم *** فإنهم في الناس مُنكرون
في النفع والأعمال والهبات *** على الأصيل هم مقدمون
فما الذي في خطة البناء *** شوارد الأفق سيصنعون
أبناهم في حق ولدنا *** للعلم والتدريب يُبعثون
فهم على البلاد عيلةٌ *** لثروة الأجيال ينزفون
بطالةٌ وطائفيةٌ *** لحلها لِم لا تسارعون
ألا ترون حالة القُرى *** بالفقرِ والحُرمان يسكنون
وحقهم منعمٌ بهِ *** مذاعر الذين تجلبون
نعم نعم إلى ميثاقكم *** إن كنتمُ بهِ ستنصفون
قلنا نعم إلى ميثاقكم *** ما دمتم بهِ ستعدلون
يا شيعة الحسين *** انتم قلاع الصبر واليقين

تستلهمون موقف الرجال *** من كربلا مدرسة النضال
من السما لا يهبط الزعيم *** يصعد مسلوخا من الجحيم

ممزق الأشلاء بالسياط *** من قيدهِ معصمهِ كليم
وقلبهُ جمرٌ من الشعور *** منفجعٌ بالمحنةِ عليم
منخفضُ الجناحِ للطهور *** مرتفع الهام على الزليم
بالمؤمنين راحمٌ رؤوف *** بالظالمين عابسٌ جهيم
يعرف معنى الصبر *** بالأذى لا يعرف اللذة والنعيم
منطلق الوجهِ ببسمةٍ تبرى *** من ألطافها السقيم
يحكي إذا أشرق ثغرهُ *** الذر في عقودهِ نظيم
يشعُ في الحق بنظرةٍ *** كأنها سيفٌ من الضريم
في وجههِ نورٌ من التقى *** رغما على جراحهِ وسيم
لهُ من الحق محبةٌ *** في كل قلبٍ صادقٍ سليم
يرى بصهيون عدوهُ *** وخصمهُ شيطانها الرجيم
مثالهُ بالعصر لا يكن *** إلا خميني الهدى العظيم
وباقر الصدر ومن يكن *** للسبط في فردوسه نديم
والخامنائيُ فقيهنا *** وليس نرضى غيرهُ زعيم
فهذه صنائع الحسين *** مناهج الصراط المستقيم
فيا بني شعبي تحذروا *** من كلِ مندسٍ لكم لئيم
يريد أن يكسب منصبا *** ويحتضيى بمنصبٍ كريم
مدعيا بباطن الأمور *** وظهرها من دونكم عليم
وهو حليفٌ للمعذبين *** يبدو لهم في الظاهرِ قصيم
يحدث الناس عن التقى *** لكنهُ بالشهوةِ بهيم
يدفعكم بوجهةِ الرجوع *** عن حقكم بفتنة النميم
فلا تداوو زمرة النفاق *** إلا بسحق النعل بالأديم

يا شيعة الحسين *** كونوا من الفرقة حاذرين
معتصمين حبل ربكم *** محلقين حول رمزكم

نسمو على الأمة فاخرين *** مذهبنا ولاء الطاهرين
معتقدين الحق فيهمُ *** وانهم ضمير المؤمنين
وبيعة الغدير حقهم *** يعقدها رقاب المسلمين
وثاني الثقلين ما بدا *** أولهُ قراننا المبين
لهم من التطهير عصمةٌ كانت *** بها عقول العارفين
وفلكُ نوحٌ في الحديث *** هم وباب حطة للتائبين
وحبهم لحب المصطفى *** وحبهُ لرب العالمين
فلزمة الإيمان أصبحت *** بحبهم وحبهِ أثنتين
والمصطفى في الخلق سيدٌ *** وحاكمٌ قضاء النشأتين
وهم له روحٌ ولحمةٌ فما *** هو اعتذار المبغضين
فإن تكن مواليا لهم *** إياك ان تعزلهم بشين
ممتثلا لزين العابدين *** كونوا لنا دعاةً صالحين
شيعتنا بالناس فلتكن *** أعمالكم حسنى لكم وزين
لا تجمعوا الضرين بأسمنا *** الضر والاسلام خير دين
وتجرحوا الرؤوس بالسيوف *** وتدعوا حزنا على الحسين
فهذه شعائر الإله كونوا *** لها بالشرع محرمين
فالقامةُ موضوعةٌ لكم *** باطلة من دس المبغضين
وبدعةٌ تفتقد الأصول *** ما عُرفت هدي الطيبين
وضرب زينب لرأسها *** حكايةٌ من المؤرخين
ولم تكن بمسندٍ صحيح *** مرويةً عن المُحدثين
أو عصبةٌ لم ينصروا الحسين *** فشققوا الرؤوس نادمين
ما هكذا يستخلص الدليل *** او تنهض الحجة باليقين
هذا كلامٌ ظاهرُ الهزال *** صاحبهُ زعيم المفلسين
خيانةٌ لنهج كربلا *** وقربة العباس واليدين
يجرح في معارك الجدال *** حجتنا قبال الحاقدين
وإننا بجهلنا نكون *** إلى عدو ديننا مُعين
ان الحسين قائدٌ عظيم بل *** أعظم الهداةِ المُصلحين
فلم يرق صدرا دمائهُ بل *** كان ذاك ضد الظالمين
فلنغرق الأكفان بالدماء زحفا *** على اليهود الغاصبين
كفعلِ حزب الله في الجنوب *** هذا هو التطبير للحسين

يا شيعة الحسين كنتم *** وما زلتم مُنزهين
عن كل ما يشوبه الظلال *** أو كل ما حاد عن إعتدال


الشاعر غازي الحداد | ديوان الحزن المعشوق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى