نهضة المهدي في ضوء فلسفة التاريخ

“الفرق والمذاهب الإسلامية تجمع – مع اختلاف طفيف بينها – على حتمية انتصار قوى الحقّ والعدالة والسلام في صراعها مع قوى الباطل والظلم والعدوان في نهاية المطاف. وتؤمن بغد يشعّ فيه نور الإسلام على جميع ربوع المعمورة، وتسود فيه القيم الإنسانية سيادة تامة، ويتحقّق ظهور المدينة الفاضلة والمجتمع الأمثل.

المسلمون يجمعون أيضاً أن هذه الآمال الإنسانية الكبيرة ستتحقّق على يد شخصية مقدّسة أطلقت علها الروايات الإسلامية اسم “المهديّ“.

هذه الفكرة تنطلق أساسا من المفاهيم القرآنية التي تؤكّد على حتمية انتصار رسالة السماء[1] وحتمية انتصار الصالحين[2] والمتّقين، وحتمية انهزام قوى الظلم والطغـيان[3] وحتمية بزوغ فجر غد مشرق سعيد على البشرية[4] ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ[5].

هذه الفكرة تنطوي قبل كلّ شيء على نظرة تفاؤلية تجاه المسيرة العامة للنظام الطبيعيّ وتجاه مسيرة التاريخ، وتبعث الأمل في المستقبل، وتزيل كلّ النظرات التشاؤمية بالنسبة لما تنتظره البشرية في آخر تطلعاتها.

انتظار الفرج

الأمل في تحقّق هذا الهدف الإنسانيّ العالميّ، ورد في الروايات الإسلامية بعبارة “انتظار الفرج“، واعتبر الإسلام هذا الانتظار عبادة من أفضل العبادات.

مبدأ انتظار الفرج يمكن استنباطه من مفهوم قرآنيّ آخر هو “حرمة اليأس من روح الله“.

المجموعة المؤمنة بالنصر الإلهيّ لا تفقد الأمل مهما قست الظروف ولا تسلم نفسها لليأس والعبث بأيّ حال من الأحوال.

مفهوم انتظار الفرج وعدم اليأس من روح الله من المفاهيم الإسلامية الشاملة التي لا تختصّ بفرد معيّن أو جماعة محدّدة، فهو يحمل البشائر للبشرية بأجمعها، ويحمل معه أيضا صفات محدّدة لهذه البشائر.

نوعان من الانتظار

انتظار الفرج، والتطلع إلى مستقبل أفضل على نوعين:

الأول: انتظار مثمر بنّاء يبعث على الالتزام ويمنح القوّة والتحرّك، ومثل هذا الانتظار يمكنه أن يكون نوعاً من العبادة وطريقاً لطلب الحقّ.

الثاني: انتظار محرّم هدّام يؤدّي إلى الوقوع في الأغلال وإلى شلّ الطاقات، ويمكن اعتباره نوعاً من “الإباحية” كما سنوضح ذلك في آخر هذا البحث.

هذان النوعان من الانتظار ينطلقان من انطباعين مختلفين عن ظهور المهديّ الموعود. وهذان الانطباعان بدورهما ناشئان عن رؤيتين متباينتين للتطوّرات والتغيّرات التاريخية. من هنا يلزمنا أن نلقي بعض الضوء على طبيعة مجرى الأحداث التاريخية.

شخصية المجتمع وطبيعته

هل التطورات التاريخية سلسلة من الأمور الطبيعية أم مجموعة من الأحداث التي تتحكّم فيها الصدفة والاتّفاق؟

الطبيعة خالية طبعاً من الصدفة الواقعية، أي خالية من بروز أو حدوث ظاهرة ليست لها علة، لكن الصدفة موجودة بشكل نسبيّ قطعاً.

لو خرجت صباح أحد الأيام من بيتك، وشاهدت صديقاً لك لم تره منذ سنين وهو يمرّ من أمام بيتك، فإنّك ستقول: إنّ هذا اللقاء حدث بطريق المصادفة والاتّفاق. لماذا؟.. لأنّ طبيعة الخروج من البيت – بشكل عام – لا تستلزم مثل هذا اللقاء. ولو استلزمت ذلك لالتقيت بهذا الصديق كلّ يوم.

نحن إذن نطلق اسم “الصدفة” على كلّ ظاهرة لا تنسجم علتها مع الطبيعة العامة لعلّة تلك الظاهرة.

ما يحدث بالصدفة لا يخضع لضوابط عامة، ولا لقوانين علمية، إذ إنّ القوانين العلمية تعبّر عن الأحداث العامة للطبيعة.

نعود إلى السؤال الذي طرحناه آنفا. ربّ قائل: إنّ أحداث التاريخ هي سلسلة من الصدف والاتّفاقات، أي إنّها لا تنضبط تحت قاعدة عامة.. هذه المقولة تعني: أنّ المجتمع عبارة عن مجموعة من أفراد ذوي طبائع فردية شخصية. وما يقوم به هؤلاء الأفراد من نشاطات نابعة من دوافعهم الفردية الشخصية، يؤدّي إلى سلسلة من المصادفات والاتفاقات.. وهذه بدورها تؤدّي إلى التغييرات التاريخية… هذه نظرة..

والنظرة الأخرى ترى أنّ للمجتمع وجوده وشخصيته المستقلة عن الأفراد، وله مسيرته التي تقتضيها طبيعته وشخصيته. فشخصية المجتمع هي غير شخصية الأفراد، والشخصية الواقعية والحقيقية للمجتمع تركيب مكوّن من التفاعل الثقافي للأفراد كسائر التراكيب المشهودة في الطبيعة الحية والجامدة.

المجتمع – بناء على هذا – له طبيعته وقواعده وضوابطه الخاصّة التي تؤطّر مسيرته، وهذه المسيرة بكلّ ما فيها من أفعال وردود أفعال إنّما تقوم على أساس قوانين كلّية عامّة.

لا يمكن أن تكون للتاريخ فلسفة ولا قواعد ولا ضوابط عامة، ولا بمقدوره أن يكون موضوعاً للفكر وأساساً للدراسة والتذكّر والاعتبار ما لم يكن للمجتمع شخصية مستقلة وطبيعة خاصة.

وإن افتقد المجتمع هذه الشخصية المستقلة تحول التاريخ إلى تعبير عن حياة مجموعة من الأفراد، وفقد عطاءه التربوي. وإن كانت في مثل هذا التاريخ عظة وعبرة اقتصرت العظة والعبرة على الحياة الفردية ولا تتعداها إلى حياة الشعوب والجماعات.

فهمنا لأحداث التاريخ يقوم إذن على أساس فهمنا لشخصية المجتمع وطبيعته.

الهوامش والمصادر

  • [1] ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ سورة التوبة، الآية 33.
  • [2] ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾  سورة الأنبياء، الآية 105.
  • [3] ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾. سورة القصص، الآيتان5-6.
  • [4] ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ . سورة الأعراف، الآية 138.
  • [5] سورة الأعراف، الآية 128.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق