الإصلاح وقيام الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف

وما دمنا في صدد هذا الموضوع، فلا بدّ من الإشارة إلى أنّ فكرة كون الدنيا سوف تشهد مرحلة العدل والعدالة بعد أن تمتلئ بالظلم والجور، قد أوجدت مسألة خطيرة، وهي مخالفة طائفة من علماء المسلمين لكلّ ما يندرج تحت عنوان الإصلاح الاجتماعيّ. حيث يزعم هؤلاء أنّ الدنيا ينبغي أن تمتلئ بالظلم والفساد لكي يظهرالمهديّ الموعود ويقوم بثورته الإصلاحيّة الشاملة! وعندما يرون شخصاً يخطو خطوة واحدة نحو الإصلاح، أو يرون توجّهاً في المجتمع نحو التّدين والعمل ببعض أحكام الإسلام، فإنهم يستاءون كثيراً، لأنهم يعتقدون أنّ الأوضاع الاجتماعية يجب أن تسوء وتزداد سوءاً حتى تتهيّأ الأرضيّة لظهور المهديّ الموعود. وإذا قام أحد بأيّ عمل من شأنه جلب اهتمام النّاس نحو الإسلام والتّديّن، فإن ذلك يعتبر في نظرهم خيانة لقضيّة المهديّ، ومزيداً من التأخير لظهوره المرتقب. فهل أنّ هذا النوع من التفكير صحيح أم خطأ؟ سأبيّن فيما يلي نقطة هامّة تجيب عن هذا السؤال.

إنّ بعض الأحداث التي تقع في هذه الدنيا تتمتّع بصبغة الانفجار، وذلك مثل أن يوجد (دمّل) في بدن الإنسان، فهذا الدمّل يجب أن يتطوّر ويصل إلى حدّ بحيث ينفجر دفعة واحدة فيتحقّق الشفاء أو “الإصلاح” في البدن. وعلى هذا فأيّ عمل يؤدّي إلى الحيلولة دون انفجار هذا الدمّل، يعتبر عملاً غير صحيح. وحتّى إذا أردنا أن نضع “دواء” فوقه، فينبغي أن يكون هذا الدواء من النوع الذي يسبّب الإسراع في عمليّة الانفجار.

وهكذا، وبالاستناد إلى هذه الحقيقة، فهناك بعض التيارات الفلسفيّة – التي تحبّذ أنواعاً معيّنة من الأنظمة السياسيّة والاجتماعية – تؤيّد الثورة بمعنى الانفجار، وتعارض كلّ عمل من شأنه أن يؤخّر الانفجار بشكل عامّ، وتفضّل ازدياد المفاسد والمظالم في المجتمع، وتراكم العقد والعداوات بين النّاس واستمرار اضطراب الأمور، إلى أن يصل الوضع إلى نقطة الانفجار والثورة ومن ثم يمكن إصلاح المجتمع بصورة جذريّة!

فهل ينبغي لنا – نحن المسلمين – أن نفكّر بهذا الشكل فيما يتعلّق بالإصلاح وبظهور الإمام الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف؟ وهل يجوز لنا أن ندع المعاصي والذنوب تزداد، وأن نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونهمل تربية أطفالنا بدعوى أنّ ذلك يعجّل ظهور المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف؟ بل لكي نساهم بأنفسنا في تعجيل ظهور الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف، فإننا – والعياذ بالله – نترك الصلاة والصيام وسائر الواجبات الدينيّة، ونشجّع الآخرين على ذلك، بهدف تهيئة مقدّمات الظهور!!

كلّا، فهذا بدون شكّ خلاف الأصول القطعيّة في الإسلام، وفقهنا له موقف واضح في هذا الشأن، فهو يؤكّد على أنّ انتظار الحجّة عليه السلام لا يسقط أيّ تكليف من التكاليف الشرعيّة لا الفرديّة ولا الجماعيّة. ولا يمكننا أن نجد عالماً واحداً من علماء المسلمين – سواء كان شيعياً أم سنيّاً – يقول إنّ مسألة انتظار المهديّ الموعود، تسقط أصغر تكليف شرعيّ قرّره الإسلام.

هذا نوع من التفكير: أما النوع الآخر فهو يدور حول فكرة “النضج” وليس “الانفجار“. والواقع أنّ “الثمرة” و”الدمّل” كلاهما له سير تكامليّ يستمرّ فيه إلى أن يصل إلى مرحلته النهائية، حيث ينفجر الدمّل، بينما تنضج الثمرة وتصبح جاهزة للقطف. ومسألة ظهور الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف تشبه نضج الثمرة أكثر ممّا تشبه انفجار الدمّل. والإمام الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف لم يظهر إلى الآن، ليس فقط بسبب أنّ الذنوب لم تتكاثر إلى الحدّ المطلوب، بل لأنّ الدنيا لم تصل بعد إلى مرحلة القابليّة والاستعداد لهذا الظهور. ولهذا نقرأ كثيراً في روايات الشّيعة أنه عندما يبلغ عدد أنصار الإمام المهديّ المنتظر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً في العالم كلّه، فعند ذلك يظهر الإمام ويبدأ ثورته الإصلاحيّة، وإلى الآن لم يتوفّر هذا العدد من الأنصار! وهذا يعني أن الزَّمان يجب أن يواصل مسيرته، بحيث أنّه مهما يزداد الفساد في الدنيا، فإنّه من الناحية الأخرى ينبغي موجود أولئك النفّر الذين يريدون تشكيل الحكومة العالمية، وعندهم الاستعداد الكافي لأن يكونوا تحت لواء المهديّ المنتظر عليه السلام، – قادة العالم وسادته. وعند ذلك فقط يظهر الإمام وتبدأ الثورة المباركة.

نعم، إن الفكرة القائلة إنّه (ما لم تحدث “الفوضى“، فإنّ الأمر لا يصل إلى “النظام“) صحيحة، ولكن لا ينبغي إساءة فهم هذه الفكرة. لأن “الفوضى” لها مستويات مختلفة. فعلى الدوام تظهر الفوضى والاضطراب في الدنيا، ثم يعقب ذلك النظام والاستقرار. ثم يتبدّل هذا النظام بالفوضى ولكنها فوضى على مستوى أعلى. ثم تتبدّل هذه الفوضى بالنظام ولكنّه نظام على مستوى أعلى أيضاً من النظام السابق وهكذا.

ولهذا يقول علماء الاجتماع إنّ حركة المجتمع البشريّ هي حركة حلزونيّة، أي حركة دورانيّة ارتفاعيّة. ففي نفس الوقت الذي يدور فيه المجتمع البشريّ، فإنه لا يدور في مستوىً أفقيّ، بل يتّجه إلى الأعلى دائماً.

ولا يوجد شك بأن دنيانا اليوم هي دنيا مضطربة تعمّها الفوضى، بحيث أنّ زمامها قد أفلت حتّى من يد القادة العظام وزعماء القوى الكبرى في العالم، ولكنّ هذا الاضطراب والفوضى على ذلك المستوى العالميّ يختلف عمّا يمكن أن يحصل في قرية أو مدينة – مثلاً – اختلافاً كليّاً، وكذلك الحال بالنسبة للنظام والاستقرار. وعلى هذا فنحن عندما نتوجّه نحو زمان ظهور الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف، فإننا نتّجه في هذه الدنيا نحو “الفوضى” و”النظام” في آن واحد.. نتّجه إلى الفوضى لأنّه من الطبيعيّ الانتقال من النظام إلى الفوضى. ونتّجه أيضاً إلى النظام لأنّه فوضى على مستوى أعلى.

فهل ظهرت إلى الوجود – قبل قرن أو بضعة من الزمن – تلك الأفكار الموجودة بين النّاس؟ فلقد توصل مفكّرو العالم اليوم إلى أن الطريق الوحيد لمعالجة شقاء البشرية ووضع حدّ لآلامها المريرة، هو تشكيل حكومة عالمية واحدة. ولم يكن لمثل هذه الفكرة أن تخطر مجرّد خطور في مخيّلة البشر طيلة العصور الماضية. ونستنتج من كلّ ما سبق أنّه كما أنّ انتشار الظلم والفساد في العالم يقرّب ظهور الإمام الحجّة المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف، فإنّ الدعوة إلى الإصلاح ومحاولة إجراء العدالة تقرّب أيضاً ذلك الظهور المبارك، وربّما بسرعة أكبر، وعند ذلك سيكون حساب دعاة الإصلاح والعدالة مختلفاً كليّاً عن حساب دعاة الفساد والانحراف، فلننظر إلى أنفسنا في أيّ جانب نكون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق