رسالة الشهيد .. تجليات متعددة

من الواضح ان حركة شهداء القيم والفضيلة حتى تأخذ فاعليتها الاجتماعية والإصلاحية، تحتاج أن تقوم في مشروعها الرسالي على طرفين، “الشهيد” و “مجتمعه”، فالشهيد: هو الذي يفتتح الحركة التغييرية والروحية ببذل دمه وعطاء روحه، ومجتمع الشهيد وبيئته المتفاعلة بكل أطرها ودوائرها: هو الذي يكمل النهضة ويواصل المسيرة ويحقق الهدف.

فاليوم إذا أردنا أن نحفظ مبادئ الشهيد من الضياع والشتات ونستمر في قيمه المعنوية ونحقق أهدافه المتعالية، نحتاج إلى أن نعطي رسالة الشهيد أدوراها وتجلياتها الانسانية المتنوعة في واقعنا الاجتماعي العام.

هذه الرسالة: التي تعني عيش الهموم الالهية العامة في سياقات الحياة وتحولاتها المادية المتدفقه، والسير نحو الأهداف الإسلامية الكبيرة في صراعات الواقع الإنساني وجبهاته الميدانية المتنوعة، وهذا لا يكون إلا من خلال الانفتاح على رسالة الدين بمدياتها الواسعة والعالية، والسعي الى تفعيلها الخارجي، استمدادً من قيمها الإيمانية والتوحيدية في صناعة الإنسان والحياة والمجتمع، من قيم العزة والكرامة والإيثار، وهذه القيم التي تشكل عمق رسالة الشهيد ومحتواها الجوهري، لها تجليات متعددة في الاطار الإنساني، منها:

١: تجليات الرسالة في الاطار الاسري:

يكون باكمال مسيرة الشهيد من قبل اسرته وأهله وأحبته، بعيش روحه وبذله وتضحيته من خلال تمثّل الموقف الزينبي من الصمود والإيمان والشموخ، والتحفيز على مواصلة المشروع الرسالي ومقاومة تحدياته ومصاعبه ومخاضاته بلاتردد ولا تلكؤ ولا تأفف وصولا إلى أهداف الشهيد وغاياته الكبرى. وهذا الموقف الواعي والبصير من أسرة الشهيد وأهله يكشف عن روح سخية معطاءة، والبر لا يناله الإنسان إلا ببذل أعز ما يحب ويعشق، فمن جاد في البذل حاز على العطية { لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ }.

٢: تجليات الرسالة في الاطار الاجتماعي:

هو أن تصنع دماء الشهداء فينا روحا اندفاعية في بناء المجتمع في ضوء الأسس الاسلامية العامة، وهذا لا يكون إلا بتجذير الروح الرسالية والإيمانية في حركة المجتمع ومنطلقاتها وأهدافها، وتسلسلها في عالم الوعي الفعّال والمحرك للدين في علاقاته، في همومه ، في تفكيراته، في انفتاحه على قضايا الأمة وتطوراتها، ومساهمته في بناء المسيرة الإسلامية، وقدرته على فهم موقعه المؤثر في أحداث عالم اليوم.

في هذا السياق يبرز لنا أهمية دور الوهج الروحي والشبابي في حيوية المجتمع وتطوره، وقدرته على استيعاب التحديات الداهمة والمستقبلية في واقعنا الاجتماعي العام، فالشهداء بذلوا ارواحهم في سبيل الأمة والدين، وأقل الجزاء من المجتمع لهم، هو صيرورته بيئة حاضنة لأهدافهم وقيمهم ومبادئهم، يعيش رسالتهم، ويستمر في مسيرتهم الصاعدة والمتحركة.

٣: تجليات الرسالة في الاطار النخبوي:

اليوم النخب الرسالية التي تقود المجتمع الديني، وتحافظ على هويته وقيمه، حتى تصنع الحدث في سياق رسالة الشهداء وقيمهم، تحتاح الى مستوى عالٍ من التجرد عن الذاتية والتخلص من التمترس حول تمظهراتها الاجتماعية التي تعيش على التشتت والتشظي والانقسام، لتعمل بشكل جاد ومخلص في الارتقاء بالمرئيات والمفاهيم الى مستوى الهموم الانسانية الكبرى، وتأخذ بأزِمّة الواقع وتبادر به في تحصين المجتمع وتطويره، والانتقال به من موقع الانفعال الى موقع الفعل والبناء، من خلال تفعيل القدرات الفكرية والمجتمعية والروحية المميزة في الاستشراف الاستراتيجي لمستقبليات الواقع القادمة وتحدياتها والعمل في ضوء مؤشراتها ومعطياتها؛ حتى يكونوا بمستوى الصراع، ويصبحوا بحق وحقيقة امتدادا لرسالة الأنبياء والأولياء.

الرسالة التي يهفو إليها الشهيد، هي رسالة تصنع من هذه الأطر أمة مقاوِمة صامدة ناضجة، يمكنها أن تتخطى المشكلات والصعاب، سعيا للوصول إلى علياء القمم الإنسانية التي تحفظ لها عزتها وكرامتها وشموخها، فالأمة التي ترمي ببصرها إلى رسالة الشهيد، ستتحول لها كل المعوقات إلى أرض منبسطة تساعدها على الرقي والعروج والتكامل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق