الشباب والحضارة الإسلامية الجديدة في فكر الامامين الخميني والخامئني

الكاتب: علاء الرضائي

بعد أن كان الإسلام في عصور ما قبل النهضة الخمينية، دين العجائز وكبار سن والذين لا يجدون في نفوسهم أملاً بالحياة والتنعم بملذاتها وخيراتها فلجأوا الي المساجد كي يكفروا عما فات ومضي من دينهم والتزامه في ماضي الايام.. صار الدين في العصر الخميني سمة الشاب، صار كبار السن اقلية في المساجد والمناسبات الدينية، بل أكثر من ذلك أصبح الشباب هم الرواد والطلائع والقادة.. قاموا بثورة لا تضاهيها ثورة في القرن العشرين وحافظوا على وحدة تراب بلدهم بالوقوف امام مؤامرات التجزئة واداروا حرباً شارك فيها العالم برمته كباراً وصغاراً على مدي ثمان سنوات ضدهم.. ثم اعادوا بناء ما دمرته الحرب وأكثر نووياً ونانوياً وجذعياً وزراعياً، ارسلوا الاقمار الي الفضاء من قواعد بنوها بأيديهم وبنوا ترسانة صاروخية ارهبت الشيطان الاكبر وصغار شياطينه في المنطقة ونقلوا تجربتهم في المقاومة الي لبنان وسوريا والعراق وفلسطين واليمن والبحرين وافغانستان و.. الخ.

ترى اين كانت هذه القوة في إيران قبل ذلك وكيف استطاع الإمام الخميني (رضوان الله عليه) ان يفجر هذه القنبلة النيترونية ويحدث هذا الانشطار الشبابي هذا الذي هز العالم فارعب العدو وأسرّ الصديق.

بعض السر يكمن في المكان الذي دفن فيه روح الله الموسوي الخميني، أي في جنوب العاصمة حيث الفقراء والمستضعفين وعلى مقربة من جنة الزهراء التي تضم رفاة احباه وابنائه ورفاقه وانصاره شهداء الثورة والحرب ومعظم هؤلاء شباب لم تتجاوز اعمارهم الـ 30 سنة. شباب تركوا مقاعدهم الدراسية في الاعداديات والجامعات ليكونوا في عداد جيش الثورة الخمينية وليحملوا القرآن بيد والسلاح بيد أخري.، كما علمهم الامام الخميني هو بنفسه: ” يا أعزائي الشباب الذين أعلق بكم آمالي: احملوا القرآن بيد والسلاح باليد الأخرى، ودافعوا عن كرامتكم وشرفكم حتي تسلبوا منهم (المستكبرين) قدرة التفكير في التآمر عليكم” (بحثا عن الطريق في كلام الامام، ج 4، ص 169)

بعض السر يكمن ايضاً في ايمانه وثقته بالشباب واعتبارهم القوة الحقيقية للبلاد والامة والاسلام.. هذه الثقة التي جعلته يستند اليهم في عملية التغيير التي قام بها والمجتمع الاسلامي الذي عزم علي انشاءه.. يقول سماحته رضوان الله عليه: ” أنتم الان تملكون قوة الشباب العظيمة وتستطيعون ان توصلوا اسلامكم ووطنكم الي أوج العظمة والرفعة وتقطعوا يد المجرمين من البلدان الاسلامية وبلدكم ” (صحيفة النور) واذا اردنا ان نشبه المرحلتين الخمينية والخامنئية من عمر الثورة الاسلامية، فقد تكون بالعهدين المكي والنبوي من قيام الدولة النبوية (قياس مع الفارق بالطبع) لكن المرحلة الخمينية التي كانت بموضوعات السور المكية: عقدية، تبليغية، مقاومة، محاججة، كانت تسعي الي تثبيت اركان النظام والثورة والوقوف علي الاقدام في عالم لإمكان فيه للضعفاء وفاقدي الثقة بأنفسهم وقدراتهم. بينما في المرحلة اللاحقة، أي المرحلة الخامنئية التي ادار فيها سماحة الامام الخامنئي دفة سفينة الثورة والنظام بدأ النظام ينتشر افقياً ويبين تفاصيل الامور كما في الطرح المدني القرآني.. لكن في كلا المرحلتين كان متكأ الثورة والنظام على الشباب، الشباب الثوري الذي جري صقله في السنوات العشر الاولي (المرحلة الخمينية) ليصبح في طليعة ادارة الدولة في العشريات اللاحقة (المرحلة الخامنئية).

وأجمل ما في الامر هو التجديد في دماء الثورة من خلال عملية التوالد والتناقل الثوري وظهور أجيال جديدة من الشباب اشد صلابة وأكثر عمقاً وتعقيداً حتى من شباب المرحلة الاولي. وهؤلاء هم الذين واجهوا مؤامرات اميركا والغرب خلال العقود الثلاثة الماضية، بالعلم والتقنية والبحوث في شتي المجالات، حتى اصبحت إيران قوة علمية واقتصادية وعسكرية يحسب لها اليوم ألف حساب.. وهؤلاء الشباب لم يكونوا علماء فقط، بل وجدناهم في معارك وساحات الدفاع في العراق وسوريا في مواجهة دموية مع أقذر قوي الظلام وأشدها بربرية وتوحشاً، اي السلفية الوهابية كالقاعدة وداعش والنصرة ومن معهم.. هناك قدموا رؤوسهم على مذبح الدفاع عن العقيدة ايضاً في الفية ثالثة تصور كثيرون فيها أن الابتعاد عن زمن الانتصار في 1979 ومع انتشار العولمة والاعلام الاجتماع ومغرياتها لم يبق جيلاَ مضحياً ومدافعاً عن قيم الثورة وشعاراتها ” لنجدهم (الاجيال المتأخرة) أكثر شراوة وأشد حماساً من جيل السبعينات والثمانيات “.

والسبب واضح جداً، لم يكن الاتجاه نحو الشباب طارئاً في عقل قادة الثورة، ولم يهتموا بهم لأنه كانت هناك حاجة لهم في جبهات القتال وانتهت.. بل لأنه كان ولايزال هناك ايمان راسخ بهم وبقدراتهم في بناء حضارة اسلامية جديدة.. وهذا ما سنجده واضحاً في الخطوة الثانية للثورة الاسلامية التي أعلنها سماحة الامام الخامنئي قائد الثورة الاسلامية تزامناً مع الذكري الاربعين لانتصار الثورة الاسلامية بتاريخ 11/2/2019 في بيان شهير يشكل وثيقة حضارية للدولة، كان المخاطب الاساس فيه هم الشباب، يقول سماحته: “.. ونحن على اعتاب فصل جديد من حياة الجمهورية الاسلامية، أرغب ان اتحدث الي شبابنا الاعزاء، الجيل الذي نزل ميدان العمل من أجل أن يبدأ جانباً آخر من الجهاد الكبير لبناء ايران الاسلامية الكبري… إن السنوات والعقود المقبلة هي عقودكم، وأنتم من يجب ان تحموا ثورتكم بخبراتكم واندفاعكم وتقربوها مهما أمكن من هدفها الكبير الا وهو ايجاد الحضارة الاسلامية الحديثة والاستعداد لبزوغ شمس الولي الاعظم (أرواحنا فداه). ” بيان الامام الخامنئي الموجه للشباب: الخطوة الثانية للثورة الاسلامية، مجلة الوحدة، العدد 634)

ويتضح لما تقدم ان هناك منهجية ثابتة عند الامامين الخميني (رض) والخامنئي (دام ظله) في اعتماد الشباب والايمان بهم والثقة بقدراتهم.. وهذه المنهجية انتجبت ثمار كبيرة استطاعت الثورة الاسلامية ان تقيم فيها كياناً صلباً يقاوم كل الهزات والمؤامرات ويدخل مواجهة مفتوحة ومرعبة مع قوي الظلام على جميع الصعد المجالات.. ويحقق لإيران الاسلامية وجبهة المقاومة برمتها انجازات ومفاخر كبيرة… هذه المنهجية التي لاتزال العديد من بلداننا والانظمة المرتبطة بالغرب تسعي الي اعمالها وتغييب الشباب عن مجالات الابداع والعلم الحقيقية وسوقهم نحو الفساد والمجون والتفاهة، كما نشاهده في البلدان الاكثر تبعية لأميركا في المنطقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق