أدوار السيدة الزهراء في الدفاع عن رسول الله

قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}

هنالك من يعتقد أو يظن أن ما حصل بعد شهادة النبي (ص) في سقيفة بني ساعدة أمر طبيعي وتم التوافق على الحكم ارتجالا بلا تخطيط مسبق. هذا التفكير إما هو جهل بالتاريخ أو تحريف له.

وفي نفس الوقت هناك من يصور أدوار السيدة الزهراء (ع) أنها امرأة عاشت حالة الجزع بعد أبيها وهي حالة طبيعية روتينية.

ما نعتقده أن ما حصل بعد وفاة النبي (ص) مؤامرة كبرى تم التخطيط لها قبل سنوات من وفاة النبي (ص).

وعليه: نعتقد أن ما قامت به السيدة الزهراء (ع) هو مواجهة لهذه المؤامرة، وبشكل عام لا نعتقد بصحة ما يفسره البعض بأن أدوار أهل البيت (ع) روتينية كما تم تفسير بكاء الإمام السجاد (ع) بعد شهادة أبيه الحسين (ع).

أدوار السيدة الزهراء (ع)

  1. فضح الزيف وفصل المسارات: أصحاب المؤامرة أرادوا تمرير حادثة السقيفة بشكل طبيعي، كثير من خطب السيدة الزهراء (ع) احتوت على هذه المضامين، منها على سبيل المثال: كتاب الله بين أظهركم، أموره ظاهرة، وأحكامه زاهرة، وأعلامه باهرة، وزواجره لائحة، وأوامره واضحة، قد خلفتموه وراء ظهوركم، أرغبة عنه تدبرون، أم بغيره تحكمون؟ بئس للظالمين بدلا، (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين).
  2. الدفاع عن الإمامة: هؤلاء لم يبدؤا بنسف الإسلام المحمدي من الصلاة بل بدأوا بالإمامة والولاية، وقد بينت الزهراء (ع) مكانة الإمامة في خطبتها: وطاعتنا نظام للملة وامامتنا أمنا من الفرقة وحبنا عزا للاسلام.
  3. البيان الصحيح للآيات: احتجاجاتها وخطبها مشحونة بالشواهد القرآنية حتى يُعرَف المنهج المطبِق للقرآن على الواقع العملي فكانت تحتج عليهم بقولها: أزعمتم خوف الفتنة {أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ}.. أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم، يقول الله جلّ ثناؤه {وَوَرثَ سُلَيْمانُ داودَ}.
  4. المعارضة السياسية: تجلى هذا الدور بعدة مواقف إذ طالبت بفدك وطالبت بحق علي (ع).
  5. الجهد الإعلامي: لا يخفى على أحد أهمية الدور الإعلامي ولذلك لم تقتصر السيدة الزهراء (ع) على الاحتجاج عند السلطان فقط بل أبرزت احتجاجاتها على الملأ العام وكانت تمارس هذا الدور كلما سنحت الفرصة، ومن ذلك:
  • أ. خطبتها في مسجد الرسول (ص) أمام تلك الجموع بحيث صار الجميع عارفا بظلامة أهل بيت النبي.
  • ب. طرقت أبواب بيوت الأنصار بابا بابا وحثتهم على نصر الامام علي (ع) وكانت تصطحب معها أبنائها الحسنين والسيدة زينب، وقد دار بها أمير المؤمنين على دور الأنصار أربعين صباحا وهي تقول: يا معشر المهاجرين والأنصار انصروا الله فإني ابنة نبيكم، وقد بايعتم رسول الله يوم بايعتموه أن تمنعوه وذريته مما تمنعون منه أنفسكم وذراريكم، ففوا لرسول الله ببيعتكم.
  • ج. دعت بلالا للأذان فلما ارتفع صوته أجهشت بالبكاء ولما وصل إلى ذكر رسول الله خرت مغشيا عليها.
  • د. لما دخل عليها الأول والثاني في مرضها أشاحت بوجهها عنهما وقالت: اللهم إنّهما قد آذياني، فأنا أشكوهما إليك وإلى رسولك، لا واللّه لا أرضى عنكما أبدا حتّى ألقى أبي رسول اللّه، وأخبره بما صنعتما فيكون هو الحاكم.
  • هـ. تأتيها نساء المدينة في مرضها فتوبخ رجالهن حيث سألنها: كيف أصبحت من علتك يا ابنة رسول الله  ؟ قالت: أصبحتُ والله عائفة لدنياكن، قالية لرجالكن، لفظتهم بعد أن عجمتهم، وشنأتهم بعد أن سبرتهم فقبحا لفلول الحد واللعب بعد الجد، وقرع الصفاة، وصدع القناة، وخطل الآراء، وزلل الأهواء، وبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون، لا جرم لقد قلّدتهم ربقتها، وحمّلتهم أوقتها وشنّت عليهم غارها، فجدعا وعقرا وبعدا للقوم الظالمين.
  • و. بينت أن المنهج الذي يتبعه القوم سيصل بهم آخر المطاف إلى هلاكهم، ولذلك انتهى الدور إلى مثل يزيد ففعل بديار الاسلام ما فعل، وقد قالت في ذلك: أما لعمر إلهكن لقد لقحت فنظرة ريثما تنتج، ثم احتلبوا طلاع القعب دماً عبيطاً وذعافاً ممقراً، هنالك يخسر المبطلون، ويعرف التالون غب ما أسس الأولون، ثم أطيبوا عن أنفسكم نفساً، وطامنوا للفتنة جأشاً وابشروا بسيف صارم، وبقرح شامل واستبداد من الظالمين يدع فيئكم زهيداً، وجمعكم حصيداً، فيا حسرة لكم، وإني بكم وقد عميت {عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ}.
  • ز. احياء ذكر الرسول بالبكاء، لماذا ضج الناس من بكائها ؟  هل لارتفاع صوتها وتسبيبها الازعاج كما ادعوا ؟ لا، ليس مجرد ازعاج بل هناك أمر أعمق، تنقل فضة أن السيدة الزهراء (ع) خرجت ذات ليلة إلى الطريق وضجت بالبكاء واجتمع حولها نساء المدينة وبكين معها، فكان بكاؤها يهيج عواطف الناس ويذكرهم بالظلامة. 
  • 6. الدور التربوي: الإنسان العامل والمصلح ربما يغفل عن تربية أبنائه لكثرة انشغاله ولكنها (ع) لم تترك أبنائها بل أدخلتهم إلى صلب جهادها فكانت تأخذهم معها، وكانت ترعاهم أفضل رعاية ولذلك كانت السيدة زينب (ع) سر أمها.

طبعا نجد التداخل فيما بين هذه الأدوار وإنما أفرزناها لكي يسلط الضوء عليها ويلتفت لها بشكل جلي.

تنبيه ولفظ نظر

رغم العمل الضخم التي قامت به (ع) فإنها لم تتخل في كل مواقفها عن الحجاب والعفة، في مسجد النبي ضرب دونها سترا وخطبت خطبتها، وكانت تمشي ونسوة تحيطها، هكذا ينقل لنا التاريخ تلك الأحداث، بينما نرى اليوم في عدة بلدان أن العاملين في الحقل السياسي والإعلامي والحقوقي يتساهلون في الالتزام بالأحكام الشرعية، فنرى المرأة تخفف من سترها أمام الأجانب وربما تتخلى عن الحجاب الكامل بحجة متطلبات العمل، والرجل قد يصافح المرأة الأجنبية بنفس الحجة والتبرير!!

لم تكن السيدة الزهراء (ع) كذلك بل قامت بجميع أدوارها بين الناس مع الحفاظ على كامل حجابها وعفتها، ولم يمنعها الحجاب من أداء وظيفتها.


الكاتب: سماحة الشيخ ياسر الصالح

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى