رميت بجسدي إلى الحرية

خرجتُ من العنبر وأنا أتلو همسًا آية الكرسي، واثق اليقين، أنّ الله لا يخيّب رجاء من رجاه، ففي أحلك الظروف والمنعطفات يسبب سبباً لا يخطر على البال، فيأتي بطوق النجاة.

عندما وصلنا إلى عيادة سجن الحوض الجاف، التقيتُ بابن قريتي المعتقل أبوحسين، وابن سترة المعتقل إبراهيم عبد النبي، صافحتهما وتبادلت الأحاديث مع أبوحسين، اعترض الشرطي لكنّه بعد جدال تراجع، مرّت دقائق حتى دخلت على الطبيب، سألني ما بي، أجبته أنّ آلاماً تنتشر في كلّ جسمي وتصيبني بالتعب الشديد، استفسر عن بعض التفاصيل وسألني عن حالتي أكثر، هل أنا مصاب بالسكر، هل لديّ نقص في الخميرة، وما إلى ذلك، وصف لي بعض الأدوية فطالبته بتحويلي إلى مستشفى السلمانيّة، رفض في البداية ثم قال إنّه سيحولني إلى عيادة القلعة، رفضتُ وأصررت على تحويلي إلى مستشفى السلمانيّة، إلا أنّه لم يوافق.

أمسك الشرطي الباكستاني بذراعي وخرجنا، بينما يقول إنّني لست مصاباً بشيء، وأنّني أدّعي ذلك، قلت له «إن شاء الله يصيبك ما يصيبني»، فأخذ يضحك.

بعد أن ركبنا الباص مرّةً أخرى، حاول الشرطي الجلوس بجانبي فزاحمته حتى جلس أمامي، بدأتُ بتدليك رقبته، أعجبه الأمر فطلب مني تدليك رأسه، لم أحر جواباً، فواصلت تدليك رأسه إلى أن فتحت النافذة التي أجلس بجانبها قليلاً بحجّة التهوئة، وكانت لحسن الحظ من دون سياج حديدي كما هو متعارف في الباصات التي تنقل المعتقلين، تفاجأتُ عند وصولنا إلى منطقة الماحوز بوجود نقطة التفتيش الدائمة، كنت قد نسيت وجودها رغم أنّني كثير المرور بهذا الطريق، أخذتُ أتلفّت، ولوهلةٍ تخيّلتُ أنّ الأمر قد حدث، وأنّني رميتُ بنفسي من النافذة، حاولت أن أهمّ بالأمر لكنَّ شيئاً ما في رجلي عطلّها عن الحركة، كان الباص مسرعاً يريد اللحاق بإشارة المرور الخضراء، تراجعت عن الأمر لخوفٍ ملأ صدري، وبقيت مسمّراً في مقعدي، مذهولاً بأضواء الشارع، وكأنَّ شيئاً قد فاتني ولا يمكنني تعويضه!

وصلنا إلى وجهتنا في الساعة الثامنة مساءً، كانت عيادة القلعة هادئة، تماماً كما تكون عليه العيادات عندما تخلو من المرضى، أخبرونا أنّ الطبيب سيصل في حدود الساعة التاسعة، فأخذ الشرطي الباكستاني يفاوضني على العودة إلى السجن لأنّ التاسعة هي موعد انتهاء عمله، وأنّه سيطلب من الشرطي الآخر أن يأتي بي إلى العيادة في صباح اليوم التالي، كنت حينها ألوم نفسي على تردّدي في رمي نفسي من النافذة، سايرته في مفاوضاته، ورفضت العودة بدايةً بحجّة المرض الشديد، ثم وافقتُ بعدها بينما أخفي نيّةَ محاولة الهروب التي أصبحت بدل الفرصة فرصتين، فرصة واحدةَ أثناء العودة الآن، وفرصة أخرى في الصباح.

استدركت حديثي وأخبرته أنه لدي أحد الأصدقاء من نفس المنطقة، طلبت منه أن يتصل به ويرتب معه موعداً عاجلاً للمجيء دون أن يخبره بالأمر، نبهته أنّ الهواتف ستكون مراقبة، عاد بعد فترة وأخبرني بأنّه نفذ الأمر وأنّ صديقي سيصل حالاً، مرّت دقائق إلى أن وصل صديقي، أصيب بالدهشة عندما رآني، تعانقنا بقوّة وتبادلنا التحيّات، اتفقنا أن يجد لي مكاناً آمناً للاختباء، لم يدم الأمر سوى ساعة، حتى جاءني بسيارته ونقلني إلى منزل أحد أصدقائه.

 ليلتها، وبينما كنت وأصدقائي نحتفل بقطع سلاسل «الهفكري» الذي يقيّد يداي، كانت قوات المرتزقة تطوّق المنطقة وتنتشر في شوارعها بحثاً عنّي، أمّا أنا، فقد نلت الحرية!


  • الفصل الواحد والثلاثون من كتاب وطن عكر

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق