خيارات الهروب من السجن

لا شيء يشبه الحريّة، حتى الفلاسفة والمفكرين والكتاب لم يستطيعوا التوصل إلى كنهها الحقيقي، يكفي أنّ تعريفاتها كثيرة، ضاقت واتسعت، ولم تتفق على شيءٍ واحد!

إنّ حلم الفقير هو الغنى، وحلم المريض هو العافية، وحلم الغريب هو الوطن، ولا أحد من هؤلاء وغيرهم يمكنه أن يتخيّل حلم الحريّة، كلُّ أصناف الناس الأحرار الذين يعيشون يوميّاتهم برتابة، يشربون قهوتهم قبل خروجهم في الصباح إلى أعمالهم، يعودون ظهراً أو في المساء، يستقبلون ضحكات أبنائهم بقبلات الاشتياق، يسألون زوجاتهم عن العشاء، ويتسامرون مع أصدقائهم بأحاديث شتى، كل أولائك وأصناف أخرى من الناس الذين لا يتشابهون في يومياتهم لا يعرفون شيئاً عن الحريّة، وحدهم الأسارى يحلمون بها بذائقةٍ أخرى، ويبدو والله العالم، أنّ السجين في سجنه، يمسك بتفاصيل الحياة في الخارج ويتذوّقها أكثر من أيّ أحدٍ آخر، يعيش لحظة الحريّة وكأنّها لحظة تلك التفاصيل التي تجاهلها طوال سنين حياته.

كانت الحريّة بالنسبة لي منذ اليوم الأول هي الأمل، خصوصاً وأنّ القضيّة التي اتهمت فيها ستبقيني في السجن لسنواتٍ طويلة، فسعيت إلى تخليص نفسي بنفسي، فصرت أسرح مفكراً في كيفيّة ذلك، حتى أفصحت بنيّتي للمقرّبين منّي داخل السجن، فأخذ كُلُّ واحدٍ منهم يقترح عليّ طريقةً لذلك، أحدهم اقترح عليّ الهروب من نافذة دورة مياه عيادة القلعة، وتسلّق السور والركض باتجاه أزقّة المنامة، ولمّا تمارضت وذهبت إلى هناك، تفاجأتُ بأنّ النافذة لا يمكن فتحها، فتلاشى حلمي ورجعت خائباً.

عُدتُ مرّةً أخرى لتفكيري الهائم، علّني أصل لطريقةٍ تخلّصني من هذا السجن المظلم، فتوصّلتُ إلى ثلاث طرق حول ذلك، إما الهروب من مستشفى السلمانيّة والاتفاق مع شخصٍ من الخارج ليتسلّمني بسيارته، أو الهروب بإلقاء نفسي من الشاحنة التي تقلّني إلى لمستشفى خلال مرورها بمنطقة الماحوز، أو الهروب من السجن وهي الخطة الأخيرة والأصعب بين تلك الخطط، ولم أمانع بالعمل عليها إذا لم تنجح الخطط البديلة.

بدأت بالعمل على الخطّة الأولى، فنسّقتُ مع أحد الأصدقاء لكي يستلمني من خارج السلمانيّة، وسعيتُ للحصول على موعدٍ هناك، فأفلحتُ في الحصول على موعد، وذلك لخلع اللوزتين بعد أنْ نجحت في إقناع الطبيب بأنّني أعاني من التهاباتٍ حادّة ومستمرة بسببها، إلّا أنّ صديقي اعتُقِل قبل هذا الموعد بسبب نشاطه الميداني في الثورة.

لذلك، انتقلتُ إلى الخطّة الثانية، وبدأتُ بالعمل عليها، ولم أستبعد الخطّة الأولى والتنسيق مع صديقٍ آخر، وبينما كنت أمرّ بمشاعر الحسرة لعدم وجودي بين أهل قريتي، حيث كانت تصلني الأخبار حينها حول حصارها المشدّد، أخبرت الشرطي المناوب أنّني أريد الذهاب إلى العيادة فوراً لأنّني أعاني من آلامٍ في جسمي، طلب منّي الانتظار لتنسيق الأمر مع الباص، حان موعد العشاء فبدأنا نأكل، كنت أضع لقمةً وأخرى وتراودني أفكارٌ متناقضة، خوفٌ تتلوه شجاعة، ويأسٌ يتقاتل مع الأمل، رأسي يضجّ بسيناريوهات ترتسم لوحدها في عقلي، إلى أين سأذهب؟ ماذا لو أمسكوا بي؟ ماذا لو أطلقوا عليّ النار؟

لم تمرّ هنيهة حتّى ناداني الشرطي للذهاب إلى المستشفى، قال لي رفاق السجن أثناء انسحابي: «أكمل طعامك أولاً». استحفظتهم الله، وأشرتُ لهم ملوّحاً، نسألكم الدعاء، قلّبت طرفي عليهم واحداً واحداً، لا أدري فلعل الأمر ينجح هذه المرّة فلا أراهم، فما لم تتزود عيناي بهؤلاء الإخوة الذين سيحاكم بعضهم لسنوات قادمة فإنّ ضمير الذاكرة سيبقى يؤنبني دائماً.


الفصل الثلاثون من كتاب وطن عكر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق