لا جدران تشبهها

لا جدران تشبه جدران الزنازين، فهي تحمل ذكريات المعتقلين الذين مروّا من هنا، وكانوا يتطلعون للعيش بسلام مثل غيرهم، تنظر لكلماتهم المحفورة فتطلّ أطيافهم مثل أشباح تملأ المكان، تقرأها مرّةً، وثانية، وثالثة، فتسمع أحاديثهم وأشواقهم وحنينهم الداخلي، تتسائل ما الذي حدث لهم، وكيف كانوا يقضون وقتهم.

كان سجن أسري واحداً من سجون بلدي الذي ضمّ الكثير من المعتقلين السياسيين، وقد قتل فيه عدد من الشهداء منهم الشهيد زكريا العشيري والشهيد حسن جاسم، وكانت جدرانه تحمل الكثير من الذكريات، حتى تلك التي لم تكتب، فقد كانت تسيح مثل ماءٍ يتقاطر، تبلل الجدران وتبلل أرواحنا معها، نصبح ملزمين بسببها أن نفكر في أنفسنا وفي من مرّوا من هنا.

يمتلئ الجدار، كأنّ السجن مداداً لكلمات الأسرى، أقرأ عبارة «يا حسين» فتشتعل الجمرة التي لا تبرد أبداً، كلمات مثل «حتى في بطن الحوت هناك أمل» لا تدعك تواجه مصيراً بائساً، فالأمل هنا سيُنجيك من الغرق، هذا بالضبط ما يجعل المهمّة مثل مسؤولية متوارثة، بين سجناء عبروا هذا السجن وبين سجناء لازالوا يعبرون!

على حائط زنزانتي، صارت يداي تكتب بشكل ميكانيكي لا أملكه، تلبيةً لرغبةٍ ملحّةٍ ظهرت للتو، «صامدون كالجبال»، كان هذا أقصى ما يملكه سجين سياسي يتطلع إلى أن تخرج بلاده من عنق الزجاجة، حرّة مستقلة يحظى مواطنوها بالعيش الكريم، كان تعبيراً لا تصمد أمامه كل أسلحة العساكر التي تحمي النظام الدكتاتوري الحاقد، تماماً مثل سلاح قاتل يهزمها، يضعضع صفوفها، ويجعلها يائسة من النصر، فالنصر لنا ما دمنا كالجبال!

أخذت أتأمل العبارة، فلم أجدها كافية لإرضاء تلك الرغبة الجامحة، كان نداء آخر يحاول إرواء غليله، ويمرّ بداخلي مثل مصلٍ حقنت به الآن، كتبت عندها، بما لا يدع مجالاً للشك في العبارة الأولى، وبما يرضي ضميري الوطني، ونصرةً لكلّ شهيدٍ تضرّج بدمه بفعل فاعل، وبأمرِ آمر، وتحت مسؤوليّة تراتبيّة معروفة، كتبت بلا تردّد: «يسقط حمد».


الفصل التاسع والعشرون من كتاب وطن عكر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق