يكفي أن تكون لك أم

بلغ الشوق مداه حتى يوم الزيارة، حيث التقيت بأسرتي في 20 أبريل/نيسان من العام الثاني للثورة، كانت أمي تجهش بالبكاء فطمأنتها وهوّنت عليها الأمر، أنا بصحة جيدة يا أمي العزيزة، ولا أريد لهؤلاء المرتزقة أن يشاهدوك وأنت تبكين هكذا، أنتِ قوية، هدأت عندها أمي، فبدأتُ أتحدّثُ عن بعض ما جرى لي في «التحقيقات» من دون أن أذكر كل شيء مراعاة لمشاعر أسرتي، أخبرتهم أنني صامدٌ ولم أتأثر بما جرى لي، وواثق من أن الطريق الذي سلكته هو الطريق الصحيح.

في نهاية الزيارة، أوصيت أمي بالصبر والصمود، وهمست في أذنها بأن لا تقلق عليّ، كما طلبت منها أن تكون كالسيدة زينب وأمها الزهراء، فهم القدوة.

كان الوقت خاطفاً، شممتُ فيه رائحة أمي، فأعادت لي توازني. يكفي أن تكون لك أم، لتكتفي، بعدها، سواء كنت في السجن أو في قصر هارون، لا فرق، أمك هي حزام ظهرك أمام كل تحديات الحياة.

عدت إلى زنزانتي وانصرفت للحديث مع الرفاق، ولوهلة، بدأتُ بتهيئة هاتفي النقال الجديد الذي هرّبته للتوّ لكي يعمل، ما إنْ بدأت الشاشة تضيء حتى وصلني خبر اعتقال زوج أختي الذي اقترن بها مؤخراً، مع اثنين آخرين من منطقتي!

ذات يوم، وبعد عودتي من المحاكمة الصورية التي يجريها القضاء البحريني وتأتي أحكامها من عند الجلادين، والتي كنت أذهب لجلساتها لمجرد الخروج وتغيير الجو وملاقاة الأحبة، أو محاولة الهرب إنْ وجدت الفرصة، بعد دخولي للعنبر متعباً، وبينما كان الشرطي ينزع الهفكري من يدي، استقبلني بلكنته البلوشية  بالقول: «ما هي أخبار هاتفك الأسود؟» ارتسمت حينها الدهشة على وجهي، وصرتُ أتساءل كيف عرف ذلك، اعتقدت في بداية الأمر أنه يختبرني ليرى ردة فعلي، أجبته: «يا ليت كان لدينا هواتف هنا»، واجهني بلغة حادّة: «هاتفك الأسود توجد به صورة لك وأنت تحمل كاميرا»، ازدادت دهشتي، عرفتُ حينها أنهم عثروا عليه.

بمجرد أن انتهى الشرطي من نزع القيود، توجهت للداخل، وبينما كنت أمشي إلى هناك، رأيت أحد الرفاق المعتقلين واقفاً بالقرب من الباب من الداخل، ممسكاً بالقضبان، سألته: «هل صحيح أنهم عثروا على الهاتف؟» أجابني والحزن يكسو وجهه البيضاوي الوسيم: «لقد جاؤوا صباحاً بعد خروجك إلى المحكمة وفتشوا الزنازين بشكلٍ دقيق، وعثروا على اثنين من الهواتف، ولم يبقَ سوى هاتفٌ واحد». قلت له: «لا بأس سوف أتحمّل مسؤوليتهما».

عدتُ حينها إلى الشّرطي وأخبرته أنّ الهاتفين ملكي، وأنا الذي أدخلتهما، شكّك بدايةً في الأمر: «هذا غير معقول، أنا لست سجيناً وأستخدم هاتفاً واحداً، وأنت سجين وتستخدم هاتفين!» قلت له: «نعم، وأسعى لإدخال جهاز كمبيوتر كذلك!» ثم سجّل إفادةً باعترافي أنّهما تابعان لي.


  • الفصل الخامس والعشرون من كتاب وطن عكر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى