كلكم جنائيون !

في منتصف ليلةٍ باردة من ليالي نيسان، وصلت إلى مكان أسري، أدخلوني عنبراً مكتظاً بالسجناء الجنائيين، وكنت حينها متعباً وجائعاً، لم آكل خلال الأيام الأربعة التي قضيتها في «التحقيقات» غير وجبة واحدة، دخلت كالغريب، لم يستقبلني أحد، وكنت أشعر بانقباض صدري من المكان.

ولمّا لم أجد من يرشدني، ذهبت إلى غرفة الاستراحة التي يجتمع فيها السجناء، ألقيت التحية فرد الجمع المتواجد هناك بتثاقل، كانت سحابة من دخان السجائر تجوس خلال المكان فتبدو الوجوه غير واضحة، سألوني هل أنا جديد، فأجبتهم نعم، فسألوني مرّة أخرى عن قضيتي، فقلت: قضايا سياسيّة، عندها أشاحوا وجوههم عني وعادوا لأحاديثهم ولعب الورق!

رأيته يطفئ سيجارته ذات العود الأحمر قبل أن يقترب مني، قال لي: «لقد سألني عنك ابن عمي»، سألته من يكون ابن عمّه، فأجاب أنه مرتضى من المنامة، تعرفت عليه دون أيّة تفاصيل إضافيّة وأبلغته أن يوصل له السلام، غاب من أمامي برهةً وجاء لي بالعشاء، وبينما هو يتحدث معي حول توقعه بنقلي لعنبر السياسيين ويخبرني بتهيئته مكاناً لي في غرفتهم، ووجود هاتف نقال، كنتُ ألتهم ما وضعه أمامي بنهم!

صباحاً، اتصلت بالأهل لأخبرهم بوجودي في السجن، وأطلب منهم جلب ملابس لي سريعاً. هذا هو اليوم الخامس لي من دون استحمام، كما أنني لم أقضِ الصلوات الفائتة التي مُنعتُ من أدائها، وعندما أنهيتُ كل ذلك، صرت أقرأ القرآن الكريم في باحة السجن الخارجيّة، سمعت صوتاً يناديني من عنبر السياسيين، كان الباب الحديدي المطل على العنبر الآخر واسع الثغرات في جوانبه، فأخذت أنظر عبره وأتحدث، تعرفت على الشخص الذي حدثني بمجرد أن رأيته، هو أحد المعتقلين العسكريين الذين ذهبوا بزيهم العسكري إلى دوار اللؤلؤة، أبدى استغرابه من معرفتي له، على الرغم من عدم معرفته لي، تعارفنا وتبادلنا الأخبار، وأخبرته بما جرى مؤخراً في منطقة العكر، فتفاجأ بما جرى، وطلب مني أن أطلب من الضابط نقلي لعنبرهم في أقرب وقت.

بعد ثلاثة أيام، استدعاني الضابط للتّعرف على المعتقل العسكري الجديد، خصوصاً وأنّ جهة التسليم هي التحقيقات الجنائية، وهو ما يثير فضول الضباط لمعرفة القضية وتفاصيلها، إلا أنهم لا يقدمون ولا يؤخرون ، فهم مجرد ضبّاط عاديون يديرون سجن التوقيف، سألني عن اسمي ومنطقتي والقضية التي اعتقلت بسببها، ذكرت له كل ذلك، فسألني هل أنا فعلاً من يقف وراء التفجير، فسألته بعفويّة: وهل ستصدقني إذا أجبتك بالنفي؟

فقال: هناك تحريات وهناك نيابة عامة، فقاطعته بالقول إنّ ما حدث ليس تحريات وإنما تمشيط للمنطقة، حيث تمّت مداهمة أكثر من 40 منزلاً، عندها أخذ يحرك رقبته، وبدا حديثنا من دون جدوى، فقال لي: «نحن هنا إدارة منفصلة، ونتعامل مع النزلاء على أنهم أبرياء حتى تثبت إدانتهم من المحكمة، وعند ثبوت القضية يتم نقلهم إلى سجن جو المركزي»، أخذ يقول ذلك وأنا أُحَرّك رأسي وكأن الأمر جديد بالنسبة لي، لم أُبدِ أي ردة فعل، سألني: هل تريد شيئاً؟ قلت: «نعم، أريد حجز موعد لزيارة الأهل، وأريد أن تنقلوني إلى عنبر السياسيين»، انفجر ضاحكاً، ثم تراجع صوت ضحكته بشكل سريع، وقال لي: «ليس لدينا معتقلون سياسيون هنا، كلكم جنائيون». فقلت: «إنّ وزير الداخليّة يقول ذلك، ولكن لماذا تفصلون بين العنبرين؟» استنكر حديثي: «ومن قال لك إن هؤلاء سياسيون؟» لم أشأ أن أواصل الجدال فيرفض طلبي، قلت: «سمّهم ما شئت، المهم أن تنقلوني معهم». فأَمَر الشرطي أن ينقلني إلى العنبر الآخر، وحَجزَ موعدًا للزيارة.

بدا الضابط متعاوناً، على الأقل ليس كأولئك الذين تلتقي بهم في «التحقيقات»!

مرّت الأيام بسرعة، وقد شعرت بالراحة والانسجام بعد نقلي إلى عنبر السياسيين، أحاديث ونقاشات ومسامرات وكتب، شيء من الألفة والدعابة والأجواء الإيمانية.


  • الفصل الرابع والعشرون من كتاب وطن عكر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق