صفات النخب في المجتمع النبوي

استثنائية شخصية الرسول

{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}

من يقرأ تاريخ المنطقة العربية التي انطلق منها النبي (ص) في التبليغ وصناعة المجتمع الإيماني يعرف عظمة النبي (ص) فقد بعث إلى عقليات من الصعوبة بمكان التعامل معها، وبعثته (ص) تمتاز عن غيرها من بعثات الأنبياء بالعالمية زمانا ومكانا، فنحن نقف أمام شخصية تحدّت القبلية العربية بكل تنوعها والامبراطورية الرومية والفارسية وغيرها، ولذلك حتى من لا يعتقد بالنبي (ص) اعترف بأنه ليس شخصا عاديا بل هو من أوائل الشخصيات المؤثرة في البشرية جمعاء.

صناعة النخبة المؤمنة

إن القدرة على صناعة النخبة كتلك التي اتكأ عليها النبي (ص) في تشكيل المجتمع النبوي وقيادة الأمة  تتوقف على استكشاف السيرة النبوية، وسنسلط الضوء على مقطع مختصر من السيرة النبوية منطلقين من قوله تعالى (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة).

لا أحد يقول إن هذه الوظائف من مختصات النبي ونحن لسنا مخاطبين بها، لسنا قادرين على القيام بها.

نحن قادرون بل نحن مأمورون بالتأسي بالنبي (ص)، وقد ورد عن الإمام الصادق(ع) ما مضمونه: شيعتنا خلقوا من فاضل طينتنا.

اذًا نحن نمتلك لياقة للاقتداء بهم (ع) وتطبيق ما أصّلوه من معارف، ومن هذا المنطلق نستطلع الأدوار التي قام بها النبي (ص) لصناعة النخبة: 

  • 1. الدور المعرفي

أول باب معرفي فتحه النبي (ص) على الأمة هو القرآن، ولم يقتصر دوره (ص) في الآية النازلة على التلفظ بها وحفظها بل كان يهدف إلى تطبيقها وترسيخ معناها في النفوس، ولذلك ورد عن بعض الصحابة أنهم كانوا لا يتجاوزون الآية أو الآيات إلا اذا فهموا معناها وعملوا بها.

استطاع المستكبرون في السنوات الأخيرة في سوريا والعراق السيطرة والتحكم بفئة كبيرة من الناس بسبب بساطتهم وسذاجتهم، وكل ذلك بسبب فقدهم للجانب المعرفي، وهذا مثال حيٌّ على أهمية امتلاك المعرفة والبصيرة.

لا يشك أحد في لزوم المحافظة على أمنه، ولكن كما تجب المحافظة على الأمن الميداني كذلك تجب المحافظة على الأمن الفكري، فيجب تفحص المصدر الذي نستقي منه معلوماتنا ويجب تحكيم القوانين العقلية القطعية والكتاب والسنة الثابتة، حتى لا نقع فريسة لاستغلال العدو بسبب جهلنا.

  • 2. الدور الإعلامي

الإعلام له دور بارز في تغيير المجتمع وهذا الأمر واضح جدا في زماننا، فإن المنصة الرئيسية للحرب الناعمة مثلا هي الإعلام حتى قيل بأن الإعلام يسقط دول ويقيم أخرى، كان النبي (ص) يريد أن يصنع للأمة صوتا مؤثرا ودورا فاعلا، كان يرسل الوفود إلى مختلف البقاع في سبيل الدعوة إلى الله، ولم تكن مادتهم الإعلامية إلا القرآن، فكان الكثير منهم يسلم بمجرد سماعه لبعض الآيات، هذا الدور صنع جاذبية نحو الإسلام بقيت على مر التاريخ.

تارة يكون الغرض وراء الجهد الإعلامي هو الدعوة إلى الدين الحق، ونتيجة هذا التغيير هو تبدل التركيبة الديموغرافية للطوائف، وتارة يهدف الإعلام إلى تغيير معرفي أي تغيير نظرة الآخر تجاهي، فمثلا بدلا من أن ينظر إليّ كعدو ينظر إليّ كصديق أو لا يعتبرني عدوا على الأقل.

  • 3. الدور الأخلاقي

مجتمعنا أصبح مجتمع اتصال لا تواصل، الروايات كثيرة في عيادة المريض وغيرها من الجوانب التي اهتم بها الإسلام حتى يقوي التكافل الاجتماعي بين أتباعه، ولكن كلما تطورت التكنولوجيا زادت الفاصلة بين الناس، بينما النخبة النبوية لا يغيب عنها مضامين سورة العصر أي التواصي بالحق والتواصي بالصبر.

  • 4. الدور الفدائي

وهو شعور الشهادة والتضحية، الشهادة في القرآن جاءت بعدة معاني كالشهادة عند القاضي والقتل في سبيل الله، وهناك شهادة بمعنى تحمل المسؤولية {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}.

مسؤولية إصلاح الأمة تارة تتخذ طابعا فرديا وأخرى طابعا اجتماعيا، والأول وإن كان مطلوبا إلا أن الثاني أرقى وأعظم تأثيرا في الأمة فإنه يحفظ النفوس عموما لأنه يخلق بيئة عامة سليمة، وبتبع ذلك سيصلح الفرد فإن من يعيش في بيئة سليمة ينشأ سليما في الغالب، وهذا النوع من الاصلاح ينحفظ عبر الأجيال، أما الأول فيحفظ أفرادا محدودين وينتهي بانتهائهم.

ركيزتان لتفعيل الاصلاح الاجتماعي

  • 1. الاستخدام

{وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا}

ترسيخ هذا المفهوم بين الناس يساعد على تقوية الشعور بالمسؤولية وتقديم المصلحة العامة على المصلحة الشخصية، ونلاحظ أن من الشعارات البارزة في خط الامام الخميني شعار “أداء التكليف” وذلك لأن أداء التكليف لا يتصف به إلا من تحمل المسؤولية الشرعية الاجتماعية.

  • 2. المسارعة إلى الخير

{فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ}

هذه أيضا دعوة إلهية في طريق الاصلاح الاجتماعي، فإن استباق الخيرات بين الناس يكشف عن بيئة سليمة.

كلمة مهمة بارزة

لا يشك أحد في لزوم المحافظة على أمنه، ولكن كما تجب المحافظة على الأمن الميداني كذلك تجب المحافظة على الأمن الفكري، فيجب تفحص المصدر الذي نستقي منه معلوماتنا ويجب تحكيم القوانين العقلية القطعية والكتاب والسنة الثابتة، حتى لا نقع فريسة لاستغلال العدو بسبب جهلنا.

مسؤولية إصلاح الأمة تارة تتخذ طابعا فرديا وأخرى طابعا اجتماعيا، والأول وإن كان مطلوبا إلا أن الثاني أرقى وأعظم تأثيرا في الأمة فإنه يحفظ النفوس عموما لأنه يخلق بيئة عامة سليمة.


الكاتب: سماحة الشيخ جواد أمين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق