كلما كان موعد زفافها جاءت نذر المآتم

بعد أربعة أيام قضيتها تحت سوط التعذيب الوحشي في التحقيقات الجنائيّة، تم التحقيق معي في النيابة العامة وإرسالي إلى سجن الحوض الجاف في 14 أبريل/نيسان 2012، أخذني رجال المباحث في سيارة مدنية مظللة إلى هناك.

في الطريق، كنت أنظر للشوارع كما لو أنني لم أرها منذ مدّة طويلة، كانت الأيام الأربعة التي قضيتها في «التحقيقات» كما لو أنها دهر، تبدو بلادي جميلة، لكنّها مجروحة، تماماً مثل عروس كلّما حان موعد زفافها جاءت نُذُر المآتم !

فور وصولنا إلى سجن الحوض الجاف، رأيت اثنين من أبناء قريتي عند البوابة ففتحت نافذة السيارة بسرعة وسلمت عليهما. وكنت أريد من ذلك أن يوصلوا خبراً إلى أهلي أنني وصلت إلى الحوض الجاف، فما كان من رجل المباحث الذي يجلس في المقعد الخلفي معي إلا أن انهال عليّ صفعاً وصراخاً، تمالكت نفسي وحدثتها سرًا أن الانتقام قادم لا محالة.

خرج الشرطي من غرفة البوابة وألقى نظرة، عرف أن السيارة تابعة للمباحث ففتح البوابة، أخذت السيارة تسير إلى الأمام ثم انعطفت إلى اليسار، كنت أقلب طرفي على المباني التي تشبه في سقوفها الأكواخ، والتي كانت سكناً للعمال في سنوات غابرة، ثم تحولت سجناً إلى أبناء الشعب، تتوزع بشكل منتظم بقرب بعضها البعض، أحسست بالحيوات المكبّلة في داخلها، وشعرت بضجيجها.

توجهت السيارة إلى العيادة، وأمام بابها توقفت لتطأ قدمي أرض الحوض الجاف لأوّل مرّة، عندما نزلت من السيارة أحسست بإرهاق التعذيب يدبّ في جسدي، دخلنا فالتقيت بالمعتقل ناجي فتيل  وشخص آخر من قرية النويدرات، تبادلنا التحيات فأخذ ناجي يسألني عن أحوالي وإن كنتُ «صمودًا»، ابتسمت رغم التعب، أكدت له أنني كذلك، انتبه رجل المباحث أنني أتحدث مع ناجي فأخذني للخارج، سألني هل تربطني علاقة به، نفيت معرفتي به، وقلت له إننا تبادلنا الأحاديث لأننا نجلس بجانب بعضنا البعض، لا أكثر ولا أقل، أمرني أن أدخل ولا أتحدث معه بكلمة، في هذه المرّة كان ناجي قد دخل على الطبيب.

في العيادة، يبدو كل شيء بارداً، باهتاً، بدءًا من الإضاءة التي لم تعد تستوعبها عيني الناعسة، وليس انتهاءً بالطاولات والكراسي التي لطالما جلس عليها الأحرار، ورغم أنها مثل أي عيادة عادية في الخارج، إلا أن هذه العيادة البائسة لا تبدو لك، وإنما عليك!

عندما دخلت إلى الطبيب، سألني هل أعاني من شيء، أو مرضٍ معين، قلت له إنّه لديّ التهابات في البول وأتبول دماً جراء التعذيب، وأريته آثار التعذيب في جسدي، لم يبدُ هذا الطبيب متأثراً بما أقول، لم تتغير ملامح وجهه، الخطان بين الحاجبين لم يتغيرا، لم أهتم بذلك فعلاً، إلا أن نتيجةً واحدة يمكنك أن تتوصل إليها من ذلك، أن ما أقوله الآن قيل مئات المرات، وبنفس الطريقة، أو ربما بطرقٍ مختلفة، ولا يستدعي الدّهشة!

أجرى الطبيب لي بعض الفحوصات، ووصف لي بعض الأدوية، ومن ثم خرجنا من هناك، وكنت أظن أنهم سيدخلوني واحداً من هذه المباني المليئة بأبناء شعبي الأعزاء، تفاجأتُ أن الأمر ليس كذلك، وعندما كنت أُنزل رأسي لركوب سيارة المباحث مرّة أخرى، كان القمر الحزين يطل في السماء كشيء لا بد له أن يكمل المشهد، ويضيء الأفق بسكون، وفيما يغفو وطني قلقاً في ظلام ليل بهيم، ويستيقظ متلفتاً ذاعراً بين إغفاءةٍ وأخرى، تبدو الشمس بعيدة عنه بمسافة بعمر وطن!


  • الفصل الثالث والعشرون من كتاب وطن عكر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى