الهواتف الضائعة والاعترافات القسرية

لوهلة، تم فتح الباب، تقدم أحدهم نحوي ووقف خلفي دون أن يتحرك، بدأت أستعد لما سيفعله بي، وأنتظر الضربات، كان الصمت يعم المكان، فيما أستمع أنا لحسيس الأشياء، شعرت أن حواسي تعمل بكل طاقتها وكأنها المرة الأولى التي تعمل فيه، عندما تتعطل حاسة البصر، فإن الحواس الأخرى تعوض هذه الحاسة باستشعار الأشياء على نحوٍ جيّد، هكذا يحدث معك وأنت مغمض العينين.

مرّت فترة والشخص الذي دخل الغرفة لا زال واقفاً خلفي، تبادلت معه أحاديثاً من الصمت، كنت أقول له إنهم مهما فعلوا فلن يتراجع هذا الشعب، كان يتحداني بقوله: «سوف نرى..» ولكي يفزعني، فاجأني بالصراخ في أذني فتبدد صمت المكان، بادرني برميي على الأرض وأخذ يركلني في كل مكان، كان يركز على منطقة الخصيتين.

أخذوني مرّة أخرى إلى غرفة المحقق الجلاد، سألني عن هواتفي النقالة، اعتقدت أنني عندما أقول إنهم في سيارتي سوف يتناسون الموضوع، إلا أنه أمرهم أن يأخذوني إلى سيارتي في العمل، قادوا سيارتي إلى مبنى التحقيقات، وفتشوها تفتيشاً دقيقاً فلم يعثروا على أي شيء، كنت أحاول قدر الإمكان إخفاء موقع هواتفي، حتى لا يطلعوا على محادثاتي مع بعض الأصدقاء الحركيين.

عاودوا أخذي من جديد إلى المحقق الذي أخذ يصرخ ويسأل عن مكان هواتفي، فقلت له إنني صرت أهلوس وأعتقد أنهم في المنزل، عندها تعالى رعيده مرّة أخرى: «هل تستهزئ بنا؟.. عمليات.. عمليات..» جاءت فرقة العمليات وأشبعتني ضرباً وركلاً، ثم بعدها سألني عن عدد من أبناء قريتي، وبعضهم من الأسماء الناشطة في الحراك الثوري، وكان يأتي على ذكر بعضهم بألقابهم المتداولة، صرت أنفي علاقتي ببعضهم، وأدّعي أنني تعاركت مع البعض الآخر لأوحي بذلك بأنّ اعترافاتهم كانت من أجل الانتقام مني، حيث كان بعضهم معتقلاً على ذمة نفس القضية التي اعتُقِلت فيها، ولشدّة التعذيب الذي تعرضوا له اعترفوا عليّ.

طالت أسئلته عن أبناء القرية، وأصبح يفصّل أكثر، ويقول إنَّ المئات من الذين دخلوا إلى هنا، نفوا في البداية علاقتهم بالقضايا التي اعتُقِلوا على ذمتها، لكنهم اعترفوا، موجهاً نصيحته لي بأن أختصر الطريق، أما أنا فكنت مصرّاً على عدم معرفتي بهم، أو أحياناً أقول بأني أعرفهم بشكل سطحي، أو أعرف إخوانهم أو آبائهم، حتى أنه استجوبني عن علاقتي بزوج أختي وهو أحد المطلوبين للنظام فنفيت معرفتي به، وكنت أخشى أن يعرف أنه زوج أختي وينهال عليّ بالتعذيب.

وخلال طرحه للأسماء، وصل إلى اسم المعتقل علي رضي، والذي هو ابن خالتي وصديق عمري، فقلت له بأن ما يربطني به هو علاقة نسب فقط، سألني حينها عن علاقة النسب، فأجبت أنه ابن خالتي، كنت أخشى أن لديه معلومات حول علاقتي به، فهو من المقربين لي، لكنه لم يذكر شيئاً، إلا أنه واجهني بما هو أهم من ذلك: «علي هو من جاء بالقنبلة، وأخبرك عنها وذهبتما معاً لشخص اسمه عبد الصادق وهو الذي شرح لكم كيفيّة العمليّة».

أجبت بسرعة: «غير صحيح..»

عندها، أمر بإخراجي، وتم إدخال أحد المعتقلين، فقال له المحقق تحدث، سمعته يتحدث بصوت منهك: «علي رضي قام بشراء الأسلاك الكهربائية وتوجه لمنزل عبد الله، وذهبا إلى عبد الصادق وتعلما صناعة القنبلة ومن ثم قاما بزراعتها ونفذا التفجير».

عندما سمعت ذلك، صرت أقول في نفسي: إنا لله وإنا إليه راجعون..


  • الفصل الواحد والعشرون من كتاب وطن عكر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى