الوجبة الأولى

عند التحقيق، انتظرنا طويلاً حتى جاء الأمر بإدخالي إلى المبنى، كان المبنى خالياً إلا من أشباح التعذيب التي مرّت من هنا، على كل جدار، وفي كل زاوية، ترى آثاراً لا تُرى لعذابات طالما تلذذ هؤلاء بممارستها، تشاهد أرواحاً ترفرف بعد أن أُزهقت من دون وجه حق، وتسمع صرخات مظلومين، حتى تلك الرجاءات الداخليّة التي تبلغ ذروتها هنا، صرت أقرؤها في الأثير.

هذا هو مبنى التحقيقات إذن، العلامة المسجلة في تعذيب أبناء الشعب وإذلالهم وتركيعهم، ووجه السلطة الحقيقي، من دون «رتوش» أو مكياج أو أقنعة، هنا ما لا عينٌ رأت ولا خطر على قلب بشر!

صعدنا عبر الدرج إلى الأعلى، المكان هنا أكثر قتامة من الأسفل، أجلسني الشرطي في مقابل موظف استلام الأمانات، عندما شاهدني هذا الأخير بزيي العسكري وقف لمصافحتي، ربما لم يعرف بعد أنني معتقل، سألني ماذا أشرب، فشكرته، إلا أنه أصرّ وطلب لي شاياً، شعرت بشيء من الاطمئنان، إلا أنّ شعوري هذا لم يدم سوى بضع ثوان، وصلني الشاي فبدأت أرتشف منه قليلاً، فجأة عاد الشرطي الذي يرافقني فرأى الكأس في يدي، تماماً في اللحظة التي كنت أعيدها إلى الطاولة، أخذ يصرخ على الشرطي الآخر: «لماذا أعطيته الشاي؟» عندها أمرني هذا المرافق النحس بأن أقف وأستبدل زيي العسكري بملابس مدنية، وأن أعطي الأمانات للموظف الذي يجلس أمامي، صادر محفظتي ومفتاح سيارتي وسألني عن الهاتف النقال، فقلت له إنني تركته في سيارة المركز.

بمجرد أن أنهيت تبديل ملابسي العسكرية، وقعت يدٌ على رقبتي بقوة وأدارتني نحو الحائط، كان هذا هو مرافقي، مسك بيديّ وأدارهما إلى الخلف وكبّلهما بـ«الهفكري»، ومن ثم غطىّ عيناي بالصماد، وأخذ يصرخ: «يابووه، يابووه مال العكر».

هنا بدأت فعلياً أجواء التعذيب الجسدي والنفسي، قبل أن أدخل إلى هذا المبنى المشؤوم كنت قد تعاهدت مع نفسي على الصمود، وأنه في حال تم ضربي فإني سأرد الصاع صاعين، إلا أن الخوف احتل قلبي، صفعني أحدهم فسقطت على الأرض، يبدو المكان من حولي واسعاً، هكذا أشعر، وعندما سقطت انقضّوا عليَّ مثل مجموعة من السباع حول فريسة واحدة، كلٌ يركل برجله في نحوٍ من أنحاء جسدي، بدا أحدهم وكأنه فقد عقله لكثرة ما صرخ «خائن.. خائن.. خائن»، أخذتُ أصرخ كذلك، وأفحص برجلي، حتى خارت قواي، ألسنتهم الحادة والوسخة تسبق أرجلهم في الإجهاز عليّ، شتائم وكلمات نابية وسُباب، هذه هي الوجبة الأولى.

أحسست بتفرّقهم فجأة، يبدو أنهم تعبوا هم أيضاً، عندها جرّني أحدهم وأدخلني إلى غرفة ما، صرت في مقابل صوت جاءني من أمامي يسألني: هل أنت عبد الله عبد الجليل؟

فأجبته والتعب أخذ مأخذه مني: نعم، سألني مرّة أخرى: هل تعلم بماذا أنت متهم؟ قلت: لا أعلم، تم أخذي من العمل ولا أعرف ما هو السبب، فقال وهو يصرخ: أنت متهم بـ«تفجير العكر»، لم أحر جواباً، قلت: أنا أعمل كعسكري، ولا مصلحة لي في هذه الأعمال!

لم يمهلني شيئاً، أخذ يصرخ: «عمليات.. عمليات»، لم أعرف في البداية ماذا يقصد، إلا أنهم عندما أمسكوني من جانبيّ، قال لهم الجلاد بأن يرفعوا رجلاي، اقترب مني فشعرت بأنفاسه القذرة: .
«هل أنت عسكري؟»

– « نعم»
– «ولاؤك لمن؟»
– «للبحرين..»
– «وجلالة الملك؟ ليس لديك ولاء له..»
– «بلى..»
– «قلت بأنك عسكري..»
– «نعم..»
– «هل تعلم ما هي عقوبة العسكري الخائن؟» .
– «أعلم جيداً، ولكني لستُ خائناً.. هناك لبس في الموضوع..»
هنا بدأ يمسح بالعصا على قدميّ، فيما يكمل حديثه: – «نحن نعلم جيداً بأنك أحد المخربين.. منذ فترة طويلة ونحن نراقبك..»
– «والله لا دخل لي بمثل هذه الأمور».

عندها بدأ يضرب على باطن القدمين ببطء، اقترب مجدداً: -«أريد أن أسمع كلمة «ولائي للملك» مع كل ضربة..»
صرت أقول «ولائي للملك» مع كل ضربة، وأصرخ.. علّ صراخي يقلل من هذه الوجبة فأخرج بلا أي اعترافات، توقف الجلاد فقلت في نفسي أن خطتي نجحت، سألني:

– «هل ستعترف الآن؟»
– «والله العظيم لا أعرف شيء..»
– «عمليات.. عمليات..»

عندما جاؤوا، أمرهم بأخذي إلى غرفة الانفرادي، والتي تسمى كذلك بغرفة الثلاجة، تركوني لبعض الوقت هناك، واقفاً على رجلي المتعبتين، مكبلاً بقيود ضيقة، وعيناي يملؤها ظلام السجن، أخذت أحدث نفسي بتغيير شخصيتي والمبالغة في إظهار الخوف والرعب حتى تقل وجبات التعذيب، أما روحي فكانت منجذبة إلى الأعلى، «ساعدني يا الله..»


  • الفصل العشرون من كتاب وطن عكر

مقالات ذات صلة

أضف تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى