الذئاب تعوي من بعيد

بعد حادثة التفجير الأولى في منطقة العكر، استنفرت قوات النظام بكل محيطها، وأصبحت القرية محاصرة من كل جانب، ولم يستطع أحد الخروج منها أو الدخول إليها.

يومها، تلقيت اتصالاً من أحد الأصدقاء يطلب مني إخراج بعض المطلوبين للنظام من المنطقة، قلت له: «لا بأس، سأذهب للاستطلاع وإذا حصلت على فرصة سأقوم باخراجهم». ذهبت إلى أحد مخارج القرية الفرعيّة، فأوقفني عناصر مدنيون، أخذوا يصرخون: «توقف.. توقف». توقفت مباشرة، سألني أحدهم: «إلى أين تذهب؟» أجبته: «إلى محطة البنزين».

رد باستهزاء: «محطة البنزين الآن!» .

قلت له كمن لا يعلم بما يحدث: «عفواً عزيزي، ولكن أنا عسكري، هل يوجد شيء بالمنطقة؟» عندها طلب مني هويتي فأعطيته إياها، ثم قال وهو يعيدها إليّ: «أعتذر إليك، ولكن حصل تفجير والمنافذ مغلقة لإكمال التحريات»، أبديت استغرابي من الأمر، فسمح لي بالخروج.

عندما خرجت، وجدت جيوشاً مجيشة تحاصر المنطقة، وكأنها تستعد من أجل حرب ستخوضها بعد قليل، جلتُ على جميع المخارج فلم يكن أيٌّ منها سالكاً، عدت أدراجي، فسألني عناصر الدورية ذاتها: «هل ملأتَ السيارة بالبنزين؟» تداركت الأمر بالقول، وهو ينظر إلى داخل السيارة: «لا، عندما خرجت اتصل الأهل وهم خائفون ويطلبون مني العودة فورًا».

داخل القرية، كان الحصار يخيّم على الأهالي، والذئاب تعوي من بعيد، ما أطولها من ليلة، اتصلت بصاحبي بعد أن كنت أتلفّت خلال الطرقات، قلت له بأن يخرج، أخبرته أن الطرقات جميعها غير سالكة، وأن على الشباب أن ينتظروا ويختبئوا جيداً.

قال لي إنّه علينا تأمين أماكن لهم للاختباء داخل القرية، فقمنا بالعمل على ذلك رغم الحصار الخانق، عندما عدت للمنزل في الواحدة فجراً، بعد ليلةٍ طويلة، وصلتني الأخبار أن ملك البلاد يتوعد بالقصاص من المجرمين، وأن رئيس الوزراء يهدد بالانتقام.

كنتُ قد نمتُ في حوالي الساعة الثالثة صباحًا، إلا أن اتصالاً من أحد الأصدقاء أيقظني، كانت القوات قد بدأت حملة المداهمات لمنازل الآمنين، أخذت أمشي بهدوء حتى لا يستيقظ أحد من الأهل إلى أن صعدت إلى سطح منزلنا، صرت أراقب من الأعلى ما يحدث لإخبار الأصدقاء بمواقع المرتزقة.

كان القمر في تلك الليلة حاضراً، يشهد على ما يفعله الغزاة، فيما بدت السماء مرصعةً بنجوم مبعثرة، هادئة لولا ضجيج أحذية العسكر، تفاجأتُ بصوتٍ خلفي، أدرت طرفي فزعاً، فإذا به زوج أختي، تبادلت معه المزاح: «ماذا تفعل هنا؟ هل تتغيب في منزلنا؟» بدأ يضحك، وقال لي: «تمّت مداهمة أكثر من 40 منزلاً حتى هذه اللحظة، لكنهم لم يعتقلوا إلا 4 أشخاص».

أنعش أذان الفجر كائنات الوجود، وكان رحمة للمظلومين، بعد أن انسحبت فرق المداهمات الإرهابية من داخل القرية، مخلفين وراءهم ما تحتويه قصص إجرامهم عادة، وجوههم الكالحة وهي تنبح داخل بيوت الآمنين وتروّع الأطفال والنساء، انتهاكهم للحرمات، الشتائم وإتلاف الممتلكات.


  • الفصل السابع عشر من كتاب وطن عكر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق