لن أؤديها

ظلّ العام 2011 ثقيلاً على البحرينيين، دخل عليهم العام 2012 بنفس ما انتهى عليه عامهم السابق، الناس ترزح تحت وقع الإعتداءات، والشباب في السجون، لا شيء في الأفق سوى المزيد من التصعيد الأمني: مواجهات واشتباكات عند مداخل القرى والمناطق بين المواطنين وقوات المرتزقة، تظاهرات يشارك فيها الآلاف، مداهمات للمنازل وملاحقات للمطلوبين، انتهاكات وقتل وشهداء يتساقطون بلا توقف، إنها أعوام الثورة الأولى، ووجوه الناس فيها إصرارٌ رغم الألم.

كنت جالساً في المكتب بمركز الشرطة حيث أعمل، عندما دخل فجأة العميل خميس علي وهو نقيب، فنهض الجميع لأداء التحيّة العسكرية له، إلا أنا.

حينها، كنت منشغلاً بمحادثة بعض الأصدقاء في هاتفي «البلاك بيري»، فلم أعبأ بعد دخوله وواصلت انشغالي متعمداً تجاهله، أحس الرجل بصفعة أتته على شكل إهانة، فوقف قبالتي ينظر إليّ وهو يكاد ينفجر غضبًا، عيناه تقدحان، حتى إن التجاعيد ظهرت على جبينه من شدة الغضب، رفعت رأسي وتبادلت معه النظرات ببأس، لم أغمض عيني إمعاناً في إهانته، عرف الوقح أنني لن أقوم لأداء التحيّة العسكريّة، فاستشاط غضباً: ألا ترى ضابطًا أمامك؟ ضحكت ساخراً: «ماذا بك؟ جئت تتصيّد؟» فجعله هذا يصرخ من قمة رأسه: «ما علموك العسكرية الأصول؟»، نهضت حينها وحملت قبعتي ودفعته على كتفه، قلت له: «اذهب للّعب مع أطفالك..».

أصبحت الأجواء مشدودة، وبدى من ينظر للمشهد مصدوماً مما يحدث، ولم يستطع أحدٌ تدارك الموقف، جاءني أحد الزملاء مسرعاً يلومني: ماذا فعلت؟

توجهت إلى عملي في توزيع الرسائل للأقسام الأخرى، وبينما أنا أؤدي ذلك، جاءني اتصال من المسؤول المباشر لي وهو بحراني الأصل يطلب مني العودة إلى المكتب، عندما عدت توجهت إليه في مكتبه، وما إن دخلت عليه، بدأ يصرخ في وجهي: لماذا لم تؤدِّ التحيّة العسكريّة للنقيب خميس؟ لماذا؟ قاطعته قائلاً: اسمع، لديك خياران لا ثالث لهما، الاعتقال أو الإقالة، ولن أؤديَ التحيّة لهذا الشخص.

بدا المسؤول متفاجئاً من ردة فعلي، وحاول تهدئتي، وصار من شدة ما طبع على قلبه، أو هكذا أظن، يقول: الأمر بسيط جداً، انظر كيف كان العباس عليه السلام يقول للإمام الحسين عليه السلام «سيدي يا أبا عبد الله»، فما المشكلة في ذلك؟ صرت أكثر تفاجؤاً مما يقوله، لم أعرف هل أضحك أم أبكي، قلت له: هل تشبّه هذا الوقح بسيد شباب أهل الجنة؟، ليس لديّ حديث آخر حول هذا الأمر، وما تريد أن تفعله افعله، أجابني والوقاحة تملأ ملامح وجهه: أنا لا أتحمّل أي مكروه سيصيبك.

انصرفت مذهولاً، فأحياناً يحدث أن تغيّر جلدك، أن تنسى مبادئك وقيمك التي تربيت عليها، ولكن أن تصبح مسخاً من أجل المنصب والمال، فهذا ما لا يمكن توصيفه، فهذه الحياة أقصر من أن تقضيها مسخاً من أجل جبهات الباطل، أو أن تخون فيها جبهة الحق، خصوصاً وأنّ الثمن بخس!


  • الفصل السادس عشر من كتاب وطن عكر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق