هل أنت الله ؟

على باب منزلنا الحديدي المزخرف، كانت يد جارنا أبو يوسف تطرق، سألته والدتي من يريد، فأجابها باسمي. عندما جاءتني أمي لتخبرني بذلك، كنت أمسح الماء عن وجهي بعد أن استيقظت من النوم للتو، خرجت إلى جاري، وبينما كنّا نتبادل التحيات كانت سيارات قوات المرتزقة تتجه نحونا بسرعة، توقفت السيارات ذات الدفع الرباعي من نوعية تويوتا أمامنا وفتح أحدهم نافذته مشيراً لي بأن آتي، اقتربت من النافذة وقلت له: نعم؟ سألني لماذا أسبّ؟ ابتسمت نصف ابتسامة، وأجبته بأني لم أسبّه ولم أسبّ أي أحد، قال: بلى،نحن سمعناك تسبّ، قلت له بانفعال واضح: من الواضح أنك تفتعل ذلك، وبما أنك موظف عسكري من المفترض أن لا تأتي بهذه السرعة الجنونية وكأنك تريد الاصطدام بنا.

عندها، فتح باب السيارة بقوة ودفعه نحوي، فيما ابتعدت قليلاً للخلف، أخذ يصرخ قائلاً: لا ترفع صوتك، وبشيء من الاستهزاء، قلت له: لماذا لا أرفع صوتي؟ هل أنت الله؟.. أنا مثلك عسكري.

بدا مرتبكاً قليلاً عندما قلت ذلك، سألني: أين تعمل؟ فقلت له: هل هذا تحقيق أم ماذا؟

حينها، ولأنه وقع في حرجٍ شديد، تدارك أحد زملائه الموقف متطفلاً بسخرية: متى سيقرأ الملا؟ وهو يشير إلى المأتم القريب من منزلنا، أجبته: هل أخبرك أحد بأنني أنا الملا؟ همّ هذا الأخير ليخرج من السيارة وهو يقول: هل تريد أن نركبك الدورية؟ قلت له: أين المشكلة، هيا لنركب، فذهب ليفتح الباب الخلفي، وبينما هو كذلك، نزل آخر من السيارة الأخرى متجهاً نحوي وهو يردد: اسحقوه، هيهات منا الذلة.

أدركت أنني وقعت في شباكهم، فأعطيت جارنا أبو يوسف هاتفي النقال، وقلت له بأن يخبر أمي بأنني اعتُقِلت، ذهب مسرعًا وطرق الباب وبلّغها بالأمر. خرجت والدتي تهرول وهي تصرخ: «اتركوا ولدي.. اتركوا ولدي»، وفتحَتْ باب الدورية، أحس المرتزقة بالارتباك بسبب ردة فعلها، فتركوني وشأني.

نزلت من السيارة وانصرفوا، تنفست الصعداء، وأحسست بالهواء يدخل في رئتي ويشعرني بالراحة، أنا حر وعزيز، في بلد الأحرار، وعندما أرادوا إهانتي قمت باستصغارهم.

استحضرت ما يحدث لشعبي، كجرعة مرّة لا بدّ من تناولها، خطر على بالي المعتقلون، وأبناء الشهداء الصغار، تذكرت مشهد الملك وهو يوّقع على ورقة مطالب السيد عبد الله الغريفي في العام 2001، تداخلت الصور مع صوت العلامة الشيخ عبد الأمير الجمري وهو يقول «ليس هذا هو البرلمان الذي ناضلنا من أجله» بعد أن تمّ فرض دستور المنحة الجديد، جالت الصور وحطت في «التسعينيات»، سمعتُ في أذني طنيناً حول روايات شتى، «الثمانينيات»، «السبعينيات»، دخول العتوب إلى البحرين في العام 1783، فلم أجد نقطة بيضاء واحدة، صرت أقول في نفسي «لا تأمن لهؤلاء، فالخيانة تجري في عروقهم»!

لا أدري كيف يقبل الحكم على نفسه أن يكون خائناً للشعب، ولكن لا يقبل من الشعب أن يخونه ويحرّض ضده ويسعى من أجل إسقاطه، إنّ البادئ أظلم كما يقولون، فهم من خلال توظيف وتجنيس المرتزقة من مختلف الجنسيات إنما يهددون الأمن ويخونون الوطن والشعب، لذا صار من حق الشعب أن يدافع عن وطنه وأمنه واستقراره بمختلف الوسائل، وأن يدحر هذا الاعتداء الغاشم الذي يُمارس يومياً بحقه.

كان الشعب مستهدفاً بمختلف الأساليب في أيام ما يسمى بـ”السلامة الوطنية”، واقعاً تحت فوّهة السلاح، فقد تعرّض مئات المواطنين للإذلال والتعذيب داخل منازلهم وفي الطرقات والمعتقلات، في حقبة مليئة بالاعتداءات والقتل والاختطاف وتجاوز الحرمات، وهي حقبة لن تُنسى وستبقى وصمة عارٍ على جبين الحكم.

في ظلام تلك الأيام السوداء، كانت دماء الأحرار تروي شجرة الحرية، والتضحيات تعمّ كل تفاصيل حركة الشعب، كلٌ يضحي بما يستطيع، والأروع أن التضامن الاجتماعي بلغ مبلغه، فقد تعلّم هذا الشعب كيف ينسجم ويتوحد دائماً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمواجهة الظالمين!


  • الفصل الخامس عشر من كتاب وطن عكر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى