لستُ عسكرياً

تبدو الذكريات الآن كشيء نعتز به، تماماً مثل الإنجازات التي أتممناها بثقة، لكنها يوم كانت تقع، كانت باردة، لم تسخن في قلوبنا بعد، ولم تُلهب خواطرنا، وهي اليوم إما أن تكون كسياط تجلدك كلما تذكرتها، وإما أن تكون كشربة ماء ترويك أوقات العطش، تروي يباس روحك وتحميك من قلق الضمير، قد لا يعرف أحد أنّك خنت، لكن ذاكرتك تعرف كل شيء!

بعد أن تمّ تفريق الثوار عن ميدان الشهداء وسط المنامة، أخذ شباب الرابع عشر من فبراير ينظمون فعاليات العودة إليه، تحدياً للإرادة التي كانت تعتقد أنها انتصرت بقوة العسكر. يومها، كانت منطقة النعيم القريبة هي نقطة الانطلاق، وكان الخيار أن أقوم أنا مع أحد الأصدقاء بشراء حاجيّات هذه العملية: نظارات لحماية العينين من الغازات المسيلة للدموع، كمامات واقية للتنفس، دروع للحماية من طلقات الشوزن.

قبل يوم من الفعالية، طلب مني الشباب إيصال هذه الأدوات إلى منطقة النعيم، لم أقع في حيرة، فالمنطقة شبه محاصرة بالقوات لقربها من ميدان اللؤلؤة، ولكنها ستكون موطئ قدمي، خطوة بخطوة إلى هناك، لأشمّ العبق القريب.

نسقت الأمر بكل هدوء، استعنت باثنين من العمال الآسيويين التابعين لإدارة الأشغال في وزارة الداخليّة، والذين يعملون في قسم الصيانة، قلت لهم إننا بحاجة لنقل بعض الأغراض لأحد الأقسام، فجاؤوا معي.

في الباص الخاص بالعمل، كنت أمسك بالمقود بينما ألبس بدلتي العسكرية ومعي العمال متوجهاً إلى منطقتي العكر، واثقاً أن صناعة الفارق تحتاج لمن يكسر الخوف، ويقتحم الأهوال.

عندما وصلنا إلى هناك، توقفت عند أحد المطاعم لشراء السندويشات للعامِلَيْن، بدت ملامحهما مُمتنة على ذلك رغم بعض الحرج، بعدها توجهنا نحو مكان وجود الأغراض.

تفاجأ العاملون بنوعية الأغراض، وبكمية النظارات والكمامات والدروع، سألني أحدهم لمن تكون ولماذا يتم نقلها إلى هناك، فأجبته بأنها تستخدم من قبل رجال الإطفاء عند وقوع الحرائق، لم يقتنع بذلك وسألني مرّة أخرى عن النظارات، قلت له إنها تستخدم من قبل خفر السواحل للغوص، تداركت أسئلته بالقول إن علينا إنجاز مهمتنا بسرعة، فحملنا الأغراض وتوجهنا بها إلى منطقة النعيم.

خلال الطريق كنت مشوشاً، مرتبكاً بعض الشيء، وبدأت أفكر في سيناريو الدخول إلى المنطقة من بين كل تلك القوات المدججة، وماذا لو تم كشف الأمر، كيف سأتصرف، بدأت أسرع دون أن أشعر بذلك، العامِلَان في صمت مطبق، لا صوت غير هدير المحرك.

وبينما كان فكري يحلق هنا وهناك، بدّده وصولي إلى نقطة التفتيش المؤدية إلى المنطقة، بدوت فجأة منتبهاً، توقفت في الطابور بقلق، العسكري يمرر سيارة ويوقف أخرى بجانب الطريق، يفتش صندوق واحدة ويستبعد أخرى، لا قاعدة تمّكنك من توقع تصرفاته.

نقطة عرق كانت في طريقها إلى السقوط من أعلى جبيني متجهة إلى طرف الحاجب الأيسر عندما سألني العسكري المسلح إلى أين أذهب، أجبته بأني ذاهب إلى مركز شرطة النعيم، طلب مني إبراز بطاقتي العسكرية فأعطيته إياها، نظر في صورتي، مرّر عينيه على اسمي بسرعة، أرجعها لي فيما هو يشير إليّ بالمرور.

من بين الرعب مررت، وأنا أردد في قلبي آية الكرسي، هكذا هي ألطاف الله، فما لم تنفذ إرادته في شيء، فإنه حتماً لن يقع.

أوصلت العمال الآسيويين إلى مركز شرطة النعيم، أنا الآن بداخل المركز، بسيارة العمل الخاصة، ببزتي العسكرية، وبكامل ثقتي، فيما أحمل حاجيّات الثوّار، لفعالية ستكون غداً للزحف نحو دوّار اللؤلؤة، ومن بين كل هذه التناقضات، شعرت بالفخر يتسلل إلى كل شريان دم يجري في عروقي، ولوهلة، أحسست أنني ثائر ولستُ عسكرياً قط!


  • الفصل الرابع عشر من كتاب وطن عكر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى