دولة بلا وجه

عندما تمّ نقلي من المخازن العسكرية إلى إدارة الأشغال، كانت وظيفتي عبارة عن مخلّص ومراسل بريد للأقسام الأخرى.

في تلك الفترة العصيبة من أيام ما يسمى بالسلامة الوطنية، طلبت مني الإدارة أن أرسل بعض الموظفين الهنود لعيادة القلعة، وهي العيادة الخاصة بوزارة الداخليّة، والتي تتم معالجة المعتقلين والموقوفين فيها أيضاً.

يومها، التقيت هناك بالمعتقل (عبد الله المغني) أحد أبناء قريتي، فذهبت إليه وتصافحنا وتبادلنا العناق والقبلات، كان معه صديق الدراسة حسن قمبر ابن بلدة النويدرات فعانقته أيضاً ، تبادلت معهما الأحاديث وآخر أخبار الحراك الثوري وسط دهشة الشرطة المتواجدين، كانت آثار التعب والإرهاق باديةً عليهما بسبب الإضراب عن الطعام بحسب ما علمت منهما، طلبت من الشرطي الذي يرافقهما أن يسمح لعبد الله أن يتصل من هاتفي النقال لأهله، موضحاً له أنّه أحد أقربائي، فلم يمانع.

بعد انتهائه من المكالمة، تحدّثت مع عبد الله بصوتٍ منخفض ليأخذ الهاتف معه ويهربه إلى السجن لكنّه رفض ذلك، وعندما انصرفت عنهما، أحسست بانقباض في صدري، شعرتُ بالخجل، وصرتُ ألوم نفسي لو أنّي كنت أستطيع تهريبهما من قبضة الظالمين!

هذه معاناتك في بلدك، أن تكون عسكرياً فهذا شيء لا يعجب الدولة، فأنت بالنسبة لها لا تستحق هذه الوظيفة، أو لا يمكنها الاعتماد عليك، موقفها التوجس منك، فكيف ستكون ضد أبناء جلدتك؟ وكيف ستمارس الظلم عليهم؟ بالإضافة إلى كل هذا فإنّ طائفتك مستهدفة، ولا يمكنك أن تقف ضدّها، الدولة تعرف هذا، لذا هي توظف القليل من المواطنين في وظائف مدنيّة تحت مسمى عسكري، فقط لإيجاد الذرائع أمام من لا تعرف ألسنتهم السكوت، فيما تقوم باستجلاب المرتزقة من جنسياتٍ مختلفة ليمارسوا مهماتها القذرة.

هكذا إذن، نحن أمام دولة لا تثق بمواطنيها، من دون حياء أو عمليات تجميل أو مكياج أو أية أقنعة؛ يمكنك أن ترى المرتزقة في واجهات مراكز الشرطة وخلف المكاتب، أثناء تسجيلك لمحضر فقدان شيء، أو التبليغ عن جريمة، أو أن تكون متهماً فيكون هو جلادك، وتكون أنت تحت حذائه، وبينما أنت تكون تحت رحمته يعطيك هو دروساً في الوطنية والانتماء إلى الوطن!

لا تبدو الدولة فاقدة للحياء فقط، وإنما بلا وجه، فمن يستبدل وجهه بوجه مرتزق لا يمكن أن يكون له وجه، الحياء نقطة كما يقولون، إن سقطت سقط معها كل شيء آخر، فأي دولة هذه؟

تكون الدولة قوية بمواطنيها، ولكنها عندما تستبدلهم بالأجانب تكون ضعيفة رغم قوتها، وهي كمن يستأمن ماله لسارق قطعت يده، فالأول أحمق، والثاني كمن جاءته غنيمته دون عناء، فإن هو سرقها فليس بملوم، وإن هو أرجعها فليس لفضل استجدّ في نفسه، وإنما طمعاً في غنيمة أفضل، تلك هي معادلة الاعتماد على المرتزقة وتلك هي مآلاتها.


  • الفصل الثالث عشر من كتاب وطن عكر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق