اجتمعت القبائل على قتل الشعب

آلت الأمور إلى هنا، ثورة الرابع عشر من فبراير تُقمع في ميدان اللؤلؤة في العاصمة المنامة، إنّه يومٌ كالحٌ أسودٌ كئيب من سنة 2011 مثل باقي أيّام الوطن العَكِرة.

كنتُ نائماً في بيتنا بمنطقة العكر جنوب الميدان مكان التجمع الشعبي الكبير، وذلك بعد يومٍ من المواجهات في منطقتنا، مع قوات النظام التي يتم جلبها من الخارج وتوظيفها كمرتزقة، حينها كانت مكبّراتُ الصوت تنادي من المسجد القريب من منزلنا بالتوجُّه إلى هناك، فما يسمى بدرع الجزيرة دخل البلاد قبل يومين، هاجم بعدها دوّار اللؤلؤة بالنّار والحديد والرصاص والغازات القاتلة، استيقظتُ فزعاً، خرجتُ من غرفتي مهرولاً للخارج، كنتُ أتصبّبُ عرقاً رغم الجوّ البارد، سألتني أمي حينها إلى أين أتوجّه فقلتُ لها: «إلى ميدان الشهداء».

ركبتُ سيارتي واتصلت بأحد أصدقائي، استمهلني عشر دقائق لكني استكثرتها، فذهبتُ من دونه، لم يكن الطريق قد قُطِع بعد، كان يوماً استثنائياً في كل شيء، حتّى الشمس بدت غائرةً في السماء، خجلةً من أن تكون حارّةً على أجساد الثائرين، وهي مُحِقة، فأرواحهم أحرُّ من خيوط أشعّتها الملتهبة!

في الطريق وردني اتصالٌ من إحدى عمّاتي تتوسّلني أن أرجع، كنتُ أقول لها إنّ الرجوع يعني أنّنا سنُسحق وستُسحق الأجيال القادمة، وأنّ التراجع اليوم يعني الذُّل في الغد، كانت تبكي بشدّة، شعرتُ بحرارة بكائها في أذني اليمنى، غير أنّي لم أتراجع، فالخوف الذي يجعلك مستسلماً خائراً أمام التحديات لن يؤمنك من شيء، ستبقى دائماً وأبداً أمام تحدٍّ آخر، ليس من الضّروري أن تصمد أمام سياط الضمير ورصاصات الألم الداخلي، ما سيقتلك هو هذا، أمّا في مواجهة الواقع فقد تنجو، عندها سيكونُ ضميرك فخوراً بك، وهي أعظمُ راحة.

عندما وصلتُ، ركنتُ سيارتي بالقرب من مركز شرطة النعيم، وتوجّهتُ مهرولاً للميدان، اللؤلؤة المعلّقةُ على الأضلاع الستّة تبرُقُ أمامي بدماءِ شهداء الخميس الدامي، لم يصل الجيش بعد، والخيام كما هي، مبعثرة في كلِّ مكان، الأشياء تتشبّثُ بالأرض، تماماً مثل أشجار النخيل الموزّعة في أرجاء المكان، الوضع أشبه بالفوضى، والمايكروفون يصدحُ بالدعاء، الرياح الشماليّة غاضبة، وأشياءُ مبعثرة ومهجورة هنا وهناك.

توجّهتُ إلى الخيمة التي يقطن فيها أبناء قريتي، الجميع في الميدان يستعد لمجيء الغزاة بعد إعلان حالة ما يسمى بالسلامة الوطنيّة، أفرادٌ يوزّعون عُلب الحليب لمسح الوجه للتخفيف من حُرقة الغازات المسيّلة للدموع، آخرون يوزّعون أكفاناً كُتِبَت عليها عبارة «أنا الشهيد التالي»، بينما تقرعُ مجموعةٌ من السّيارات من أعلى «الكوبري» المتّجه للمنامة على الحاجز بإيقاع «تن تن تتن» .

عندما وصلت الوحوش الكاسرة إلى فريستها، كانت شبكة الاتصالات قد قطعت قبلها بساعة تقريباً، حيث أخذت تقمع بلا هوادة، تحلق لمؤازرتها طائرات «الأباتشي» العسكريّة على ارتفاعٍ منخفض وتدعمها عند الحاجة بالرصاص والنار، الشباب يقاومون دخول القوات المدجّجة بصدورهم العارية، السلميّة عنوانهم منذ اليوم الأول، ما عدا البعض، فسلاحهم الحجارة، أصوات التكبير والهتافات تختلط مع أصوات طلقات الأعداء، الجيش الغازي كبير، ما كان أكبر منه حقاً هو الله وحده.

بدأت السيارات تنقل النساء والأطفال بعيداً عن المكان، وأخذ الناس ينسحبون باتجاهات مختلفة جراء آلة البطش التي لا ترحم، أمّا أنا فقد حاولت البقاء لأطول فترةٍ ممكنة في المكان، متشبثاً به وبرائحة الدماء التي سالت هناك، شعرت بالغضب من إخلائه، أحسستُ وكأنّ الوطن أصبح يائساً، فالقبائل قد اجتمعت على قتله، ليضيعَ دمه بينها فلا يستطيع أحدٌ من أبنائه المطالبة به، تذوّقتُ تلك اللحظة التاريخيّة وكأنّها شيءٌ مرٌّ لا بدّ أن نتجرّعه، كمرحلة تسبق ولادة الفجر.


  • الفصل التاسع من كتاب وطن عكر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق