الطابق الأخير

ركبت سيارتي المركونة أمام مركز شرطة النعيم بينما يتحصّنُ عددٌ من أفراد الشرطة في المركز ويوجّهون طلقاتهم على العُزّل في منطقة النعيم، توجّهتُ إلى مستشفى السلمانيّة بعد أن أجليتُ معي أحد الجرحى، بعد فترةٍ بسيطة من وصولي إلى هناك، حاصرت القوات المستشفى المليء بالجرحى والمصابين، بعضهم جرحى اليوم نفسه، والبعض الآخر جرحى الخميس الدامي، أجساد البعض مثقوبة بفعل رصاص الشوزن، والبعض الآخر بالرصاص الحيّ، وآخرون خنقتهم الغازات السامّة، إنّها مجزرة بحق، وعارٌ سوف يلاحق الظلمة إلى الأبد.

من النوافذ الكبيرة للمستشفى، شاهدتُ وعدد كبير من المصابين المحاصرين هناك كيفية قيام قوات النظام بتكسير السيارات والاعتداء على الممتلكات الخاصة، التلفزيون الرسمي وصف العملية بأنها إجلاءٌ للمخرّبين من دوار اللؤلؤة وتطهيره، فمن المخرّب يا ترى؟

بعد عودة شبكة الاتصالات بشكل تدريجي، اتصلت بأحد الأصدقاء للاطمئنان على أحوال قريتي، سألته عن توجه الناس لكسر الحصار، أخبرني أنّ القرى محاصرة وأنّ الأوضاع متدهورة ولا يستطيعُ أحدٌ الخروج، أنهيتُ مكالمتي معه وصعدتُ إلى الطابق السادس مع بعض الأصدقاء، المرضى هناك من كبار السنّ، وعلى الرغم من الرعب الذي ملأ البلاد في ذلك اليوم، إلّا أنّنا كنا نتبادل المزاح، وقال أحدهم إنّ من المناسب المكوث في الطابق الأخير، حيث ستصل القوّات متعبة إلينا فتقلُّ عندها وجبة التعذيب.

مساءً، أقمنا الصلاة في ممرّات المستشفى، بعدها بدأت الشائعات تنتشر بيننا، منها خبر اعتقال الرموز وسقوط شهداء في بعض القرى، كان الجميع قد لجؤوا إلى المستشفى على أمل العودة لميدان الشهداء كما في سيناريو العودة الأول، لكنّ القوم قد بيّتوا النيّة على دحر الشعب وإعادته وإصابته في مقتل.

في العاشرة مساءً، كان الجوع قد داهم الجميع، أحدُ الأصدقاء كان بحوزته خمسة دنانير فاشترينا بها العشاء، أوصيناه بالاقتصاد لعدم معرفتنا الفترة التي سنمكثُها هنا، عشاء تلك الليلة لم يكن هانئاً، فأزمةُ الوطن تصل إلى ذروة مأساتها وتُنغِّصُ كلَّ شيء.

بعد انسلاخ نهار اليوم التالي من ليلةٍ حزينة طويلة كعادة ليالي الشتاء، أخذت قوّات الجيش تُجلي الموجودين في المستشفى، كثيرون لم يكونوا مطمئنين وكنت أحدهم، استخرت الله على الخروج، فكان النهي شديداً، عرفتُ بعدها أنّ الشباب يخرجون شيئاً فشيئاً من المستشفى، لم يكن باليد حيلة، أخرجنا صدقة وتوكّلنا على الله وخرجنا من هناك.

حصار مستشفى السلمانية في 16 مارس/آذار 2011

كانت قوات النظام تقف عند البوابة الرئيسيّة للمستشفى، عناصرها يدقّقون في البطاقات السكانيّة، يسألون عن المنطقة، ويطلبون من الجميع الانصراف، توجّهتُ حينها إلى سيارتي وكان بصحبتي أحد أبناء قريتي، عندما خرجنا من البوابة الخارجيّة وجدتُها محطّمة وممزقة الإطارات، كان قد مرّ اسبوعٌ فقط على شرائي لها، لم أشعر بالأسف، فلم تكن شيئاً يذكر أمام نفسٍ واحدٍ من أنفاس المشاركين في الثورة، فضلاً عمّن ضحوا بأنفسهم!

الدبابات تنتشر في الشوارع، كان المشهد ينبئ من يراه أن هذه الجيوش جاءت لقتال جيوش أخرى لا شعباً أعزل، كُنّا نريد الابتعاد قليلاً باتجاه مدرسة الجابريّة للاتصال بمن يأتي ليقلّنا إلى القرية، ذهبنا إلى النادي الأهلي واختبأنا هناك تحت شجرةٍ تفاديًا لطائرات الهيلوكوبتر، كان الوطن معنا يستظلّ بظل تلك الشجرة، يُحدّثنا عن أمله في النصر القادم، عن أبنائه البارّين الذين قدّموا أرواحهم ودماءهم وجهادهم، وعندما وصل صديقنا الذي سيقلّنا، تركنا الوطن هناك تحت تلك الشجرة بينما لا زال في أول أحاديثه، وذهبنا.


  • الفصل العاشرمن كتاب وطن عكر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق