يوميات معسكر 1 من “وطني” إلى “ملكي”

في العام 2008، دخلتُ الأكاديميّة الملكيّة للشرطة، كان الفجرُ موعدنا اليومي، أهذا هو فجرُ بلادي الدامس الذي لا يظهر منه شيء، حتّى الخيط الأسود من الخيط الأبيض؟ تماماً مثل الطرق الوعرة التي نسلكها ولا نعرف نهايتها؟

أقفُ أمام المرآة في الرابعة فجراً من كلّ يومٍ لأبحث عن شعرةٍ في رأسي وذقني فلا أجد، يُراد لذقنك هنا أن تكون جرداء كذلك، تماماً مثلما يريد القانون العسكري، يا لغباء هذا القانون، ما علاقة المظاهر الشخصيّة بمؤهلاتك لتصبح شرطيّاً؟ يبدو هذا الأمر مضحكاً!

أمام المرآة أجدني متعباً، وملامحُ روحي تائهة، أنظر في عينيّ الذابلتين فلا أجد شيئاً، هكذا أنصرفُ يوميّاً من أمامها بشكلٍ آلي، متجمّد القلب والروح والجسد، من دون أن أشعر أنّني كذلك، مثل شيءٍ أصابته سكرةٌ ما، وأنسته كلّ شيء!

أقفُ بعد ذلك أمام العَلَم لتأدية السلام الوطني، لا زال الفجر في أول الوقت، يرسل تسبيحات السحر من على سجادات الملكوتيين، بينما نرسل نحن سلاماتنا لوطنٍ لم يستيقظ بعد، وبدلًا من أن يحتضننا، صرنا نحن، أبناؤه ومحبوه، نفعل ذلك له، كوفاءٍ لا بدّ من أن نعبر عنه في كل آن، حتّى نكون بارّين به وبسمائه وأرضه.

كان يجب أن يكون سلاماً وطنياً، لكنّه صار سلاماً ملكياً بقدرةِ قادرٍ في العام 2002، هكذا تتحوّل السلامات الوطنيّة إلى سلامات ملكيّة، في أوطانٍ تتحوّل فيها العوائل الحاكمة إلى أصنام لا بدّ من تقديم الولاء لها، وعندما تتمرّدُ الشعوب على ذلك، فإنها تُصبح خارجةً عن الوطنيّة والولاء للوطن!

بعد ذلك، تماماً في الرابعة والنصف فجراً، نعود للثكنات للصلاة وارتداء الملابس الرياضيّة، الصلاة هنا تأتي بعد تحيّة العلم، لا عليك من كلّ العبارات التي تؤكِّد أنّ الله أولاً وأنّ الوطن ثانياً، هنا في المعسكر يكون العلم أولاً وبعد ذلك يأتي الله، كما أنّ الملك أو الأمير ليس ثالثاً، إنّ الحاكم دائماً أولاً وقبل كلّ شيء، فهو يستحلّ محارم الله ويخوض في الدماء ولا شيء يوقفه، الحكام يتعاملون مع الدين كواجهة فقط، ولا يضعون له أي اعتبار في ممارساتهم وأحكامهم!

تبدأ التمارين الرياضيّة والجري قبل شروق الشمس بقليل، الشمس صديقة وقتنا الوطني الثمين، هكذا تمدُّ خيوطها الدافئة عند الشروق، لكنّها تلتهبُ كلّما تقدّمت عقارب الساعة نحو الظهيرة، أعرفُ أنّ مناخ وطني حارّ، على الرغم من أنّنا نبدو في فصلٍ آخر، إلّا أنّ الملابس الرياضيّة ترسمُ خرائط العرق بسرعة.

أجلسُ على مائدة الإفطار بين زملائي في الساعة السادسة والثلث، القاعة تمتلئ بالمتدربين، كلّهم حليقو الرؤوس، تماماً كما هم حليقو الكرامة، فوضى الأحاديث تتداخل بشكلٍ مزعج، لا أحد ينتبه إلى الآخر، أنظرُ للوجوه فأراها تستعجلُ البشرى بغدٍ أفضل، أو هكذا أظنّ، أجدُ فراغاً يتقاطع مع الأشياء فيُخلّفها بلا معنى، وإلّا فما معنى كلّ هؤلاء الذين ينتظمون معنا هنا وهم من بلادٍ أخرى؟

يمرّ اليوم في المعسكر مثل ساعةٍ لا تقبل الخطأ، السابعة صباحاً الرجوع للثكنة لارتداء الزيّ العسكري، السابعة والربع التوجّه إلى الميدان للتدرّب على المسير العسكري وحركات السلاح، العاشرة الانتهاء من المسير والتوجّه لمدرسة التعليم، الثانية عشر والنصف ظهراً الانتهاء من حصص التعليم والخروج في استراحةٍ للصلاة، الواحدة والثلث ظهراً وجبةُ الغداء، الواحدة وخمسين دقيقة تنظيفُ الثكنات، الثانية والربع استراحةٌ يمنعُ خلالها النوم، الرابعة عصراً حصّةٌ أخرى لتعليم المسير العسكري، الخامسة والنصف إنزالُ العلم والتوجّه للصلاة، في الثامنة والنصف تُطفأ الأنوار للنوم.

هذا هو الروتين اليومي، وفي حال تجاوز المتدِّرب القوانين والبرامج المعمول بها فإنّه يُعرِّض نفسه لعقابٍ قد لا يتحمّله، سواء بالتمارين الشاقّة، أو بالحرمان من الإجازة الأسبوعيّة.


  • الفصل السابع من كتاب وطن عكر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق