حبات العرق على جبيني

طرقتُ الباب ودخلت، فأصبحتُ في مواجهة «المسلم»، اندهشتُ من رؤيتي إياه ومرّ شريطُ الذاكرة. أنا ألوّح بيدي رافضاً الحديث معه. عندما شاهدني وقف مصدوماً وأخذ يردّدُ: أنت!!.. أنت!!

لم يكن أمامي سوى أن أكذب، تظاهرتُ أنّي لا أعرفه، وبينما كُنتُ أحاول إخفاء ارتباكي الواضح، أخذ هو يتفرّسُ في وجهي متسائلاً: هل أنت نفسه الشخص الذي أمام «الساتر»؟

كان يقصد برادات الساتر في منطقة بني جمرة، حينها ارتحتُ قليلاً أنّه لا يتذكّرني جيداً، أجبته باستغرابٍ مصطنع: لا يوجد سواتر هُنا وإنّما بدلاتٍ عسكريّة فقط، بدا أنّ إجابتي استفزّته فارتفع صوته: لا.. أنت الذي كنت معهم أمام الساتر.
. لم يكن يتذكّر أين رآني، خطر في بالي الاستهزاء أو أن أذّكره أين رآني لكنّه ذهب بسرعة، أجبته أنّني لا أعلم عن أيّ أمرٍ يتحدّث.

وبينما كان هذا الحوار يجري بيننا، أخذ المدير يضحك في حين كانت تخرج من فمه الكبير سحابةٌ بيضاء من الدخان، شاربه المرتّب بعناية وشفاهه السوداء من جرّاء التدخين يجعلانه مثل من يتقن الاستنتاج، لكنّ الأمر كما يبدو مرّ عليه، كان يقول لـ «المسلم» بأنّه من كثرة ما يتعامل مع الناس أخذ يشكّك بالجميع، إلّا أنّ الأخير صار يقسم بالله أنّه رآني ولكنّه لا يتذكّر أين ومتى.

اصطنعت أمام المدير علامات الاستغراب والتعجُّب، قطبّتُ حاجبيّ قليلاً، وأسدلتُ شفتيّ بشكلٍ تراجيدي، إلّا أنّني لم أستطع إخفاء حبّات العرق على جبيني. لم تنقطع ضحكة المدير، الذي أمرني أن أنصرف، وخلال خروجي من الغرفة التي حَبَسَت أنفاسي، تطفّل «المسلم» مرّة أخرى وسألني: هل لديك أخٌ يشبهك؟ فقلت له بأنّه لا إخوة لديّ بينما أَنصَرِفُ بسرعة، أمّا هو فقد ظلَّ يُحرِّك رأسه وكأنّ على رأسه الطير!

مضت هذه الدقائق وكأنّها الدّهر، وحمدتُ الله أنّ الحديث لم يتطور إلى أكثر من هذا، وأنَّ «المسلم» لم يتذكّرني، ضحكتُ في داخلي، وأقررتُ أيضاً في نفسي أن لا أمان لهذه الدنيا، فبقدر ما هي هيّنة، بقدر ما تدخلك مداخل سافلة، مثل أرضٍ رخوةٍ لا يمكن الوقوف عليها.


  • الفصل السادس من كتاب وطن عكر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى