لا حديث لي معك

تتابعت قضيّة الاحتجاج في المطار بعد اعتقال عددٍ من المواطنين هناك على خلفيّة اعتقال المرجع الديني سماحة الشيخ محمد سند، فصارت عوائلهم تنظّمُ وقفاتٍ احتجاجيّة قرب المحكمة في المنامة، حيث كنت أتواجد معهم وأهتفُ بالشعارات.

كانت أجواءً ثوريّة بلا ثورة، تنتظر فصول النضج لتثمر، بلا واجهات سياسيّة، عارية إلا من الله، إذ كان هو الحامي والمسدّد والملجأ الوحيد، وحده الله هو الذي ينير الدرب الموحش، ويباعد الشوك عن الطريق، ويرسم المتبقي منه.

يومها كنت أمسك بالمايكروفون وأردّد شعاراتي، واثقاً من شيءٍ واحد، أنّ الحقّ لا يضيعُ ما دام وراءهُ مُطالب، وأنّ الظلام لا بدّ أن ينجلي، ويخرج المعتقلون من السجون مكلّلين بأهازيج النصر، وزغردات الأمّهات، وفرحة العودة والحريّة، ما هو الوطن إن لم تحصل فيه على كلّ هذا؟

محاطاً بعددٍ لا بأس به من عوائل المعتقلين، جاءني رفيقٌ وهمس في أذني عن وجود عميلٍ يصوّر الاعتصام من داخل المحكمة، وأنّه عليّ أن أُحذّر المُقدّم عبد السلام المسلم بأنه في حال لم ينسحب العميل، سنخرجُ في مسيرةٍ داخل المنطقة الدبلوماسيّة حيث تقع المحكمة، فعلتُ ذلك عبر مكبّر الصوت، إلى أن جاء «المسلم» وأمر العميل بالانسحاب مستخدماً برقيّته الخاصّة.

مرّت دقائق وهتافاتنا تعلو عنان السماء، لتؤكِّد أنّ قاضي السماء أعلى بكثيرٍ من قاضي الأرض، وأنّ حسابه عسيرٌ مع هؤلاء القضاة الذين رهنوا أنفسهم لخدمة الظالمين، والجور على المستضعفين.

ظهر العميل مرّة أخرى، فقرّرنا تنفيذ تهديدنا الذي أعلنّاه، خرجنا في مسيرةٍ غاضبة في شوارع الدبلوماسيّة، جاء «المسلم» مرّة أخرى محاولاً التحدّث معي، قلتُ له متعالياً، أن لا حديث لي معه، وبنبرةٍ لا يشوبها شيء، قلتُ له اذهب وتحدّث مع الشيخ علي الجدحفصي أو شخصٍ آخر، لم أُعِرهُ أيَّ اهتمام، إلى أن جاء يومٌ لم يكن في الحسبان وصرتُ في مواجهته!

تدور الأيّام بسرعة، ولا يمكن التكهُّنُ بما سيجري فيها، تقسو وتباغت وتنزلك منازل ليست من شأنك ولا تبقي لك من الفرص شيئاً، هكذا التقيتُ بالمقدّم «المسلم» مرّة أخرى بعد سنوات من توظيفي في السلك العسكري، كنت سأذهب لأشرب الشاي، لولا أنّ اتصالاً ورد من «المدير» لقسمنا، طلب فيه بدلةً بقياساتٍ معيّنة، فأرسلوني لتسليمها إليه.


  • الفصل الخامس من كتاب وطن عكر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق