“الثلاجة المنجية” والتقرير “الخطير”

للأوطان ما يشبه أوقات الاسترخاء، إلّا وطني، فعلى الرغم من أنّه يبدو مستلقياً بجغرافيّته الصغيرة في الخليج، تدلّك يابسته أمواجُ البحر من كلّ جانب، إلّا أنّه لم يذُق طعم الراحة منذ زمنٍ طويل، يشبه في طوله وجوه الآباء التي تعبت، وذابت في الطريق.

هكذا يبدو العام 2006 في البحرين، فالبلاد دخلت، منذ أربع سنوات، في ألفيّتها الجديدة في ما يُسَمّى بالمشروع الإصلاحي للسلطة، هذا ما تبدو عليه الأمور، إلّا أنّ شيئاً لا يمكن أن يُصلح عقليّة القبيلة التي جاءت غزواً، وظلّت هُنا تخنق أحلام المستضعفين، فالأوضاع لم تتغيّر فعلاً، وتم التراجع عن الوعود التي قطعوها.

هذا الأمر، جعل المرجع الديني الشيخ محمد سند، ذي العمامة البيضاء، يطالب في خطابٍ له، الأمم المتحدة بإجراء استفتاءٍ على نظام الحكم في البحرين، تماماً كما حدث في السبعينيات، وهو ما جعل السلطات تعتقله من المطار عند عودته إلى البلاد، ما حدا بالعشرات من المواطنين للتوجّه إلى هناك للاحتجاج.

يومها، كُنتُ، بشعري الأسود الفاحم، وحماسي الملتهب، أهتفُ مع المحتشدين بشعارات التنديد باعتقال الشيخ سند، ولم تمهلنا قوات النظام حتى قمعت ذلك التجمُّع واعتقلت عددًا من المشاركين فيه.

لم يكن تفريق الناس من هناك لينهي سخطهم، فقد بدأت سلسلةٌ من الفعاليات التضامنيّة تجتاح البلاد في مناطق عدّة، كانت إحداها تجمّعاً أمام مجمع الدانة التجاري في منطقة السنابس، اعتدت عليه قوات النظام أيضًا، ولاحقت المشاركين فيه إلى داخل المجمع!

دخلتُ مع بعض المحتجين إلى داخل مجمع الدانة مهرولاً، أتلفّتُ يميناً ويساراً. المحال التجاريّة مفتوحة، وبدا الارتباك على بعض العاملين فيها جرّاء الجلبة التي تحدث، واصلتُ هرولتي مع زميلٍ لي في التظاهرة، وصعدنا إلى الطابق العلوي بحثًا عن مكانٍ آمن، لم أتوجّه إلى دورة المياه كما فعل آخرون، وبعد ملاحقةٍ أشبه بجولةٍ ينفّذُها حيوانٌ مفترس لاصطياد فريسةٍ ضعيفة، وجدتُ نفسي داخل ثلاجةٍ معروضةٍ للبيع في أحد المحلّات هناك، ومعي زميلي.

هذه هي الأوطان، تضيقُ أحياناً إلى الحدّ الذي لا تخلق لك فيه مكاناً للهرب من قوات الأمن والعسس، لا تخترع لك ممرّاً ولا زُقاق، وترابها، ذلك الخشن الناعم المليء بالصخور، لا يُعبّد الطريق إلى مكان، تماماً مثل المتاهات السياسيّة التي تمرّ بها معظم الأوطان، لا تؤدّي إلى مكان.

شعرتُ بالاختناق، وأخذ جسدي يرتعش، لوهلة، أحسستُ أنّ في أوّل لحظات القبر، يا لقبري الضيّق، الأصوات في الخارج غير واضحة، وشوشةٌ تدور في عقلي، حاولت فتح باب الثلاجة فلم أستطع، قمت وزميلي بركل الباب بقوة دون جدوى، أصبحت الأصوات الآن أقل دواراً في رأسي، مثل شيء يتضاءل شيئاً فشيئاً بشكل دائري، كان شبح الموت يحاصرني، فاستسلمت خائراً لرحلة صغيرة فيه.

استعرضتُ وجوه الأحبة واحدًا تلو الآخر أمام ناظريّ. صرت أفكر: «كيف سيتلقون الخبر؟» تصورت أمي واقفة تبكي أمام نعشي، واحترق قلبي لأجلها. كان المشهد مهولًا. لكن الألطاف الإلهية جنبتني وصديقي هذا المصير، إذ ساعدنا وجود أحد الأشخاص، وكان مختبئًا في مكان قريب. شكّ هذا الشاب بوجود أحد داخل الثلاجة، لكنه لم يتمكن من التأكد من الأمر قبل خلو المكان من مرتزقة النّظام.

بعد انسحاب عناصر النظام من المكان، تم فتح الثلاجة، وكُنّا في داخلها مغميًا علينا، فتمّ إنعاشنا، ونجونا بعد أن كُنّا على وشك أن نلفظ أنفاسنا الأخيرة.

مرّ ذلك العام بخير رغم المخاض السياسي الذي عاشته البلاد والجدل حول المقاطعة والمشاركة في الانتخابات، أُفرج عن الشيخ سند بعد تظاهرات وتحرّكاتٍ سياسيّة وخطابات نادت به، وقرّرت الجمعيّات المعارضة خوض الانتخابات النيابيّة والبلديّة بعد أن قاطعتها في العام 2002، فيما كشف مستشار حكومي كبير عن تقرير له، أعلن من خلاله عن مخطّط طائفي خطير ينفّذه الحكم لتهميش الطائفة الشيعيّة.

شكّل التقرير صدمةً كبيرة، واعتُبِرَ قنبلة العام، حيث كان ينبىء بأيامٍ حُبلى بالأحداث، والغضب، والسخط العام. قرّرت السلطات ترحيل المستشار إلى بريطانيا حيث يحمل جنسيّتها بعد أن اعتقلته، ومنعت الصحف من تداول ما جاء في تقريره!

حملت تلك السنة إشارات خطيرة، صار الأفق يستحثّ الحمرة مرّة أخرى، وأمواج البحر التي تداعب شواطئ الوطن الجريح بدأت تنكأ في جرحٍ قديم، ترشّه بماء أُجاج طالما طغى، وحدها نخلتنا المنتصبة في البيت، ظلّت شامخة، مثل من جاءته علائم البلاء وظلّ صابراً، أو داهمته عواصف المصيبة ولم يُذهل!


  • الفصل الرابع من كتاب وطن عكر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق