“البرلمان” الذي أرق طفل التسعينات

توالت الأيّام الحائرة، وظلّ البرلمان يؤرق طفل التسعينيات الحالم، ولكثرة ما رأى الجدران والألسن تلهج باسمه اعتقد أنّه شخصيّة مقدّسة يريد الناس تحريرها من السجن!

في الفناء ذاته في منزل جدّي، كان الأهل يجتمعون لتجهيز «وليمة البركة» لتوزيعها على المعزّين بذكرى استشهاد أحد الأئمة المعصومين عليهم السلام، فقد اعتاد جدّي على الإيلام سنويّاً في هذه المناسبة.

ثلاثة قدورٍ كبيرة، تستند كل واحدة منها على ثلاث إلى أربع طابوقات في فناء الدار، تحترق تحتها أخشابٌ صغيرة، تبدو القدور سوداء إلى ما قبل غطائها بقليل، أعمامي يدورون من قدر إلى آخر، عمي رضا يلقي بالطماطم في داخلها، عمي أحمد يرش الملح في قدر آخر، وعمتي فضيلة تقف على متكأ وترفع يدها للفرج عن عمي قاسم المعتقل، فيما أصبحت ذبيحة الغنم التي لم تُلقَ في القدر بعد فرجة لنا نحن الأطفال، يومها حصلت على تعنيف من والدي بسببها، حيث رميت أحد أبناء عمتي عليها في مُزاحٍ فجّ.

بعد الانتهاء من طقوس الطبخ، أصررتُ على أعمامي لاصطحابي معهم إلى حيث توزيع «البركة» على المعزين، مستقوياً بجدي عميد العائلة وصاحب الكلمة الفصل بعد أن كان أعمامي يرفضون الذهاب معهم.

في سيارة «البيكب» أقفُ منتصباً وسط أعمامي ولا أُرى، كأنني فسيلُ نخلةٍ صغيرة بين أعواد نخيلٍ عالية، كأنّ التواري بينهم مثلَ أمانٍ توفّرهُ قلعةٌ حصينة، هكذا أشعرُ وسط أهلي.

بعد الوصول إلى مكان مرور موكب العزاء، كان عمي جواد ينبه عمي أحمد للاستماع للقصيدة التي يلقيها المنشد في العزاء. حيث أنشد فيها أبياتاً ثوريّة جاءت على ذكر «البرلمان»، لاقى خلالها تفاعل المعزين الذين أخذوا يهتفون بشعارات التكبير، كنت أتلصص على حديثهم بينما أستمع للمنشد، ها هو البرلمان يعود مرّة أخرى لتعود معه تساؤلاتي، ألا يكفي أن يكون على جدران الحي، ليكون في قصائد العزاء هذه المرّة، جنباً إلى جنب مع ذكر الإمام!

خلال تفرّق الناس من موكب العزاء، كانت الأيدي تزدحم علينا بشكل آلي لأخذ «البركة»، الأصوات تختلط بأحاديث شتّى، ومن فوق سيارة «البيكب» العالية، كنتُ أسلّمُ مجموعةً من المعزّين يضعون عصابات على جباههم كُتِبَ عليها «اللّهم فُكّ أسرانا» نصيبهم من «بركة الإمام»، أمّا وجه جدّي المليء بتجاعيد السنين، وهالات الوجع، والآمال المعلّقة على أبواب أهل البيت، فقد كان يغمره الرضا.

من بين هذا المشهد، تبدو جلبة جانبيّة لمجموعة ملثّمين يلبسون زيّاً موحّداً ويخطّون عباراتٍ على الجدران، الناس تبتعد عنهم، تبدو مشيتهم وحركاتهم غريبة، لا شيء يظهر من أجسادهم سوى العينين، عرفتُ حينها أنهم يفعلون هكذا لكي لا يتعرّف إليهم أحد، وحين أنهَوا عملهم، تواروا منسحبين باتجاه طريق المزارع فيما خلّفوا ورائهم صوراً مرسومةً للجمري، وعيسى قمبر، والبرلمان!


  • الفصل الثاني من كتاب وطن عكر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق