تأملات في المناجاة الشعبانية

المناجاة الشعبانية منسوبة لأمير المؤمنين (ع) وفيها خصوصية إذ ورد أن جميع الأئمة (ع) كانوا يواظبون على قرائتها، وهي من الأذكار التي اهتم بها علماؤنا، جاء في كتاب حديث الشمس أن الإمام القائد الخامنئي سأل الإمام الخميني: أي الأدعية تميل إليه أكثر ؟ فقال: دعاء كميل والمناجاة الشعبانية.

هذه المناجاة بديعة في الأسلوب ومضمونها مقارب للمناجاة الخمسة عشر، وهنا تنبيه للسياسي والاجتماعي وعالم الدين خصوصا على ضرورة المداومة على هذه المناجاة وأمثالها حتى تُجنّبهم السقوط في حفر الشيطان أثناء ممارسة العمل السياسي والاجتماعي والديني.

المناجاة احتوت على نقاط كثيرة جديرة بالتأمل، ونقتصر منها على عشرة:

  1. القرب من الله في بدايتها، (واسمع دعائي اذا دعوتك) فهي تجعلك تعيش معاني القرب من الله سبحانه.
  2. تربية الانسان على اللجوء إلى الله وأن العبد الآبق لا يجد ملجأ إلا الله، هارب منك إليك.
  3. تعلم الرجاء والأمل، وتزيل اليأس من روح الله، فإن اليأس هو ثاني أكبر الكبائر، وفي هذا الإطار يجب الاهتمام بمسألة وهي بث الأمل للناس، فالسياسي وعالم الدين حينما يخطب ويتكلم لابد أن يحافظ على جو من الأمل فلا يحبط الناس ويبث لهم روح الهزيمة وألا يقنطهم  من رحمة الله، نعم الممقوت هو طول الأمل لا مطلق الأمل، وإن هذه المناجاة تزرع الثقة والأمل بوعد الله.

4. الإيمان بالقضاء والقدر، وقد جرت مقاديرك علي إلى آخر عمري، في زمن النبي داود كانت امرأة تعمل في غزل القماش وتبيعه وتطعم أيتامها، وفي يوم ما غزلت قماشها ثم نشرته فجاء طير وأخذه وطار به فأصابها اليأس ذلك اليوم فذهبت لنبي الله داود شاكية، ثم إن الله تعالى أنقذ بعض التجار من الغرق في البحر بواسطة هذا الغزل وجاؤوا لنبي الله داود ودفعوا له ألف درهم شكرا لله على نجاتهم والنبي داود دفع الألف للمرأة، وعندها رأت كيفية رزق الله لعباده، ولذا قيل: من العبد التدبير ومن الله التقدير.

5. الثقة بالله، بعضنا بمجرد أن يشم رائحة انفراج سياسي من تصريح رئيس دولة كافرة (أمريكا مثلا) يستبشر ويتهلل، ولكنه عندما يقرأ القرآن عند قوله تعالى (وكان حقا علينا نصر المؤمنين) فلا يستشعر شيئا ولا يغير كلام الله فيه شيئا، ذات مرة كان النبي (ص) نائما عند شجرة فجاءه مشرك حاملا سيفه وقال: من يخلصك مني ؟  قال: ربي. فارتعدت فرائص المشرك وسقط السيف من يده فأخذه النبي وقال له: من يخلصك الآن مني ؟ قال: كرمك يا محمد.

6. حسن الظن بالله، (إلهي كأني بنفسي واقفة بين يديك)، كثيرا ما نربي أطفالنا على لغة العقاب والنار حصرا فنتوعده بالنار إذا خالف في أي شيء، بينما المطلوب هو أن نوازن بين لغة الحب لله وخوف عقابه.

7. طلب الستر، (إلهي قد سترت علي ذنوبا في الدنيا وأنا أحوج إلى سترها علي في الأخرى)، الستر على النفس وعلى المؤمنين، في الرواية: من روى على مؤمن رواية يريد بها شينه وهدم مروته أخرجه الله من ولايته، والمؤمن أشد حرمة من الكعبة، اذًا الستر على المؤمنين مقدمة إلى ستر النفس.

8. تعلم طريقة الطلب من الله، وهي الابتداء بالثناء على الله والصلاة على رسول الله (ص) فإن ذلك من عوامل استجابة الدعاء.

9. إظهار حب الله، وقد ورد في دعاء أبي حمزة ودعاء كميل: (إن أدخلتني النار أعلمت أهلها أني أحبك،) في الرواية: يؤتى بالعبد يوم القيامة فيؤمر به إلى النار فيمشي ثم يلتفت خلفه فيسألونه لماذا التفت ؟ فيقول: ما كان هذا ظني بالله، فيسألونه وما ظنك بالله ؟ فيقول: أن يغفر لي، فيغفر الله له بحسن ظنه.

10. التوحيد العرفاني: (حتى تخرق أبصار القلوب حجب النور)، التوحيد عند العرفاء ألا يرى في الوجود إلا الله وما عداه عدم، إلهي وألحقني بنور عزك الأبهج فأكون لك عارفا وعن سواك منحرفا، فلا يتوجه الإنسان إلا للموجود القوي ولا موجود إلا الله سبحانه وتعالى.

كلمة بارزة

هذه المناجاة والمناجاة الخمسة عشر تنبيه – للسياسي والاجتماعي وعالم الدين خصوصا – على ضرورة المداومة على هذه المناجاة وأمثالها حتى تُجنّبهم السقوط في حفر الشيطان أثناء ممارسة العمل السياسي والاجتماعي والديني.


سماحة الشيخ عبدالله الدقاق

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق