لماذا شرّع الجهاد في المدينة

نعلم أنّ الجهاد وجب على المسلمين في السنّة الثانية بعد الهجرة، ولم يكن قد شُرّع قبلها، والسبب واضح فهو يعود من جهة إلى قلّة عدد المسلمين في مكّة بحيث يكون الأمر بالكفاح المسلّح في مثل هذه الحالة هو الإنتحار بعينه، ومن جهة اُخرى كان العدو في مكّة قويّاً جدّاً، فمكّة في الواقع كانت مركز القوى المعادية للإسلام، ولم يكن بالإمكان حمل السّلاح فيها.

أمّا حين قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة إزداد عدد المؤمنين واتسع نطاق الدّعوة داخل المدينة وخارجها، وتأسّست الحكومة الإسلاميّة الصالحة، وتهيّأت وسائل الجهاد ضدّ العدو على صعيد العدّة والعدد، وبما أنّ المدينة المنوّرة كانت بعيدة عن مكّة استطاع المسلمون في حالة من الأمن والطمأنينة أن يبنوا وجودهم ويعدّوا أنفسهم لمواجهة العدو والدفاع عن رسالتهم.

من اهداف الجهاد دحر الشرك وعبادة الأوثان

الإسلام يدعوا البشريّة إلى اعتناق الدّين الخاتم الأكمل وهو يحترم مع ذلك حريّة العقيدة، وبذلك يُعطي أهل الكتاب الفرصة الكافية للتّفكير في أمر إعتناق الرّسالة الخاتمة، فإن لم يقبلوا بذلك فإنّه يعاملهم معاملة الأقليّة المعاهدة (أهل الذّمة) ويتعايش معهم تعايشاً سلميّاً ضمن شروط خاصّة بسيطة وميسورة، لكنّ الشرك والوثنيّة ليسا بدين ولا عقيدة ولا يستحقّان الإحترام، بل هما نوع من الخرافة والحمق والإنحراف ونوع من المرض الفكري والأخلاقي الّذي ينبغي أن يستأصل مهما كلّف الثمن.

كلمة حريّة العقيدة واحترام أفكار الآخرين تصدق في مواقع يكون لهذه العقيدة والأفكار على أقلّ تقدير أساس من الصحّة، أما الإنحراف والخرافة والضلال فليست بأشياء تستحق الإحترام، ولذلك يأمر الإسلام بضرورة إقتلاع جذور الوثنيّة من المجتمع ولو كلّف ذلك خوض الحرب، وضرورة هدم آثار الشرك والوثنيّة بالطرق السلميّة أوّلاً، فإن تعذّرت الطرق السلميّة فبالقوّة.

أجل فالإسلام يرى ضرورة تطهير الأرض من أدران الشرك والوثنيّة ويعدالمسلمين بمستقبل مشرق للبشريّة في العالم تحت ظل حكومة التوحيد وزوال كلّ أنواع الشرك والوثنيّة.

وممّا تقدّم من ذكر أهداف الجهاد يتّضح أنّ الإسلام أقام الجهاد على اُسس منطقية وعقلية، فلم يجعله وسيلة للتّسلّط والسيطرة على البلدان الاُخرى وغصب حقوق الآخرين و تحميل العقيدة واستعمار واستثمار الشعوب الاُخرى، ولكنّنا نعلم أنّ أعداء الإسلام وخاصّة القائمون على الكنيسة والمستشرقين المغرضين سعوا كثيراً لتحريف الحقائق ضد مسألة الجهاد الإسلامي، واتّهموا الإسلام باستعمال الشدّة والقوّة والسيف من أجل تحميل الإيمان به وتهجمّوا كثيراً على هذا القانون الإسلامي.

والظّاهر أنّ خوفهم وهلعهم إنّما هو من تقدّم الإسلام المضطرد في العالم بسبب معارفه السّاميّة وبرنامجه السّليم، ولهذا سعوا لإعطاء الإسلام صبغة موحشة كيما يتمكنّوا من الوقوف أمام انتشار الإسلام.
 


المصدر: تفسير الأمثل / اية الله مكارم الشيرازي ج 2 سورة البقر .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق