صور الجهاد عند الإمام علي والإمام الحسين

أولاً: الجهاد والصراع مع النفس

ومعناه هو الصراع. وإذا أخذنا بالتفسير المعنوي له – أي الجهاد مع النفس – فإنّه يعني الصراع معها. وكما لا ينبغي للإنسان أن يكون أسير البيئة التي يعيش فيها، كذلك لا ينبغي له أن يكون خاضعاً للعوائق والمصاعب الموجودة في البيئة. فقد خلق الإنسان كي يزيل بنفسه تلك العوائق من طريقه ليصل إلى مرتبة التكامل، والرشد المعنوي.

القرآن الكريم يقول: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾1،2. وهذه الآية: تسبق قوله تعالى: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ﴾3.

وللقرآن الكريم هنا بيان لطيف وعجيب، إذ إنّه يورد قبل آيتي الهجرة آية المستضعفين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَ﴾4.

فهذه الآية: تناقش وبصيغة الحوار أعذار أولئك الذين ينحرفون عن جادة الرشد والصواب بسبب بقائهم في ظل الظلم وأجواء الفساد، فعندما تقبض الملائكة أرواح هؤلاء, تجد صحائفهم سوداً مملوءة بالقبائح، فتسائلهم عن ذلك، فيكون عذرهم، ﴿كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ﴾ كنّا نعيش في بيئة فاسدة ونحن ضعاف لا نستطيع دفعاً وما شابه ذلك من الأعذار، فتردّ الملائكة عليهم رافضة أعذارهم وتقول لهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَ﴾؟ هذا العذر يمكن أن يقبل من الأشجار التي تعيش في بيئة ملوثة بالدخان مثلاً فتذبل أوراقها وتسودّ أعضاؤها، والعذر بذلك يقبل منها، لأنّها لا تستطيع حراكاً، فجذورها ثابتة في الأرض ولا تستطيع الانفصال عنها، أما من الإنسان فلا، بل وحتى الحيوانات لا تعتذر بمثل هذا العذر، فهناك عدد كبير من الحيوانات المهاجرة كالطيور وغيرها فبعضها يهاجر إذا برد الجو إلى المناطق الحارة وهناك الأسماك البحرية التي تهاجر مرتين في العام، هجرة الشتاء وهجرة الصيف فتنتقل في المحيطات من منطقة إلى أخرى قاطعة مئات بل ألوف الكيلومترات، وكذلك الحشرات والجراد التي تهاجر على شكل أسراب كبيرة.

إذن فالحيوان يرفض أن يسجن نفسه في بيئة ويقيدها بترابها وصخرها وطينها، بل يهاجر ويهاجر، فما أقبح أن يعتذر الإنسان بفساد البيئة تبريراً لظلمه نفسه، وعندما تسألهم الملائكة فيم كنتم ولماذا ارتكبتم كل هذه الذنوب فما أقبح أن يكون الجواب: إنّا كنّا نعيش في بيئة فاسدة تنتشر فيها دور السينما، والنساء المتبرجات ومحلات بيع الخمور وأمثال ذلك، كل هذه حجج يدحضها المنطق الملائكي الذي يردّ عليهم بـ: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾5، أي إنّه يصل إلى الأرض التي يستطيع منها أن يجاهد أعداء الله. إذا رأيت العدو يحارب عقائدك ومبادئك فحارب أنت أيضاً عقائده ومبادئه، أي أن تخوض صراعاً مع أعدائك، وهذا هو الجهاد ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ﴾6.

والتفسير المعنوي لمفهوم الجهاد لا يخرج عن قاعدة الصراع آنفة الذكر. إلّا أنّ العدو الذي يُجاهدُ في هذه الحالة هو عدو داخلي وهو النفس الأمّارة بالسوء. هناك البعض ممّن اعتاد الكذب وإذا قيل له لا تكذب، يتعجب ويقول: هل هناك من لا يكذب؟ فمن المؤكّد أنّ الإنسان يضطر أحياناً إلى الكذب، ويقال للآخر: لا تنظر يا أخي إلى المرأة الأجنبية! فيستغرب ويقول: وهل يمكن للإنسان أن لا ينظر؟!، ويقال الثالث.. أخي توجه بقلبك إلى الله في الصلاة، ولا تدع ذهنك ينشغل بأمور أخرى، فيقول: ذلك أمر مستحيل، لو كان هذا مستحيلاً لما أمر الله تعالى به، بل أنت لا تراقب ولا تنتبه لنفسك ولا تجاهدها، ولو فعلت لاستطعت أن تؤدّي صلاتك بخشوع وبحضور قلب وروح.

راقب نفسك وجاهدها وستتمكن من السيطرة على ذهنك وخيالك، فالخيال هو خواطر ذهنية عاجزة على كلّ حال، ولا يمكن لها اقتحام ذهنك لو لم ترد أنت ذلك ولو لم تسمح به، ولو راقبت نفسك لتمكنت من السيطرة على أفكارك والحيلولة دون تشتّتها ودون شرود الذهن. لماذا يصير الإنسان عبداً مسخراً وقد خلقه الله حراً ولم يجعله عبداً لأي مخلوق؟ فالله عزّ وجلّ وهب الإنسان من الحرية والاستقلال والقدرة، ما يستطيع به – لو أراد – أن يتحرر من كل شيء بل ويسيطر على كل شيء، لكن ذلك يستلزم إرادة حقيقية وجهاداً وصراعاً حتى مع النفس الأمّارة بالسوء وأهوائها وشهواتها وهي عدوه الداخلي، يستلزم ذلك جهاداً مع حب الراحة والدعة وعبودية اللذة، ولا شك بأنّ من لا يخوض هذا الصراع لن يحظى بالقبول والاحترام. لقد وهب الله تبارك وتعالى الإنسان نعمة العقل وعليه أن يختار بها أحد طريقين: إمّا مجاهدة النفس الأمّارة بالسوء وإخضاعها لحكم العقل السليم – وهذا هو طريق التكامل والرقي في درجات الرفعة – وإمّا ترك تلك المجاهدة والانقياد للنفس وأهوائها وبذلك يصبح عبداً لها، أسيراً، ذليلاً تجاه شهواتها وهذا هو طريق الانحدار إلى أسفل سافلين، فـ “النفس إن لم تشغلها شغلتك”، هذه هي صفة النفس الأمّارة بالسوء، فما لم تسيطر عليها وتخضعها لإرادتك ولعقلك، شغلتك وجعلتك عبداً لأهوائها وشهواتها.

ثانياً: أسلوب أمير المؤمنين عليه السلام في الجهاد

ماذا كانت فلسفة زهد الإمام علي عليه السلام وهجرانه الدّنيا والإعراض عنها؟! إنّ فلسفته كانت إطلاق حرية الإنسان وإخضاع الأنا فيه، علي عليه السلام مثلما كان يأنف من الهزيمة أمام عمرو بن عبد ود ومرحب وأمثالهما من رغباتها. يُروى أنّه عليه السلام كان ماراً يوماً في السوق من أمام دكان قصاب فأخبره القصاب أنّه جلب اليوم لحماً طازجاً جيداً وعرض عليه أن يشتري منه شيئاً، فأجابه الإمام علي عليه السلام بأنّه ليس لديه الآن مال، فقال القصاب: أصبر حتى يأتيك المال، فماذا كان جواب الإمام عليه السلام ؟! لقد أجاب: “بل أقول لبطني أنا أن تصبر، إن لم أستطع أن أقول لبطني أن تصبر، فلن أقول لك أنت أن تصبر حتى يأتيني المال، ولكنّي سأقول لبطني أن تصبر”.

أمير المؤمنين عليه السلام يقول متحدثاً عن فلسفة زهده: “ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل ولباب هذا القمح ونسائج هذا القز”.

فعليّ عليه السلام قادر – لو شاء – على الحصول على أفضل متع الدّنيا وأرفه الماديات فهو أعرف بطريق الوصول إليها ولكنّه لا يفعل، فلماذا؟! يجيب عليه السلام بنفسه عن ذلك فيقول: “لا ولكن هيهات أن يغلبني هواي…” ثم يخاطب الدّنيا بأبلغ الخطاب فيقول: “إليك عنِّي يا دنيا، فحبلك على غاربك، قد انسللت من مخالبك وأفلت من حبائلك”7.

هذا هو الجهاد الحقيقي مع النفس.

ثالثاً: يوم كربلاء مثال المجاهدين

إنّ يوم الحادي عشر من محرم عام واحد وستين للهجرة، كان من أصعب وأقسى الأيام التي مرّت بأهل البيت عليهم السلام . ولو نظرنا إلى واقعة الطف بكلا جانبيها، الجانب المشرق المملوء بأروع صور الفداء والإباء والصبر في سبيل الله، والجانب المظلم الملطخ بأبشع صور الغدر والخسّة والجريمة، لو نظرنا إلى هذين الجانبين لتجلّت لنا بوضوح حقيقة الحوار الذي يحكيه القرآن يوم أخبر الله عزّ وجلّ عن خلقه الإنسان وجعله خليفة له في الأرض: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾8.

فجميع ما رأته الملائكة في طبيعة الإنسان من القدرة على الفساد والانحراف والطغيان ظهرت وصارت واقعاً حياً في يوم كربلاء، ولكن وفي هذا اليوم نفسه ظهرت الصفحات المشرقة التي تحمل أسمى صور الفضيلة والرفعة التي لم ترها الملائكة في البشر والذين خاطبهم الحقّ عزّ وجلّ بقوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾. نعم لقد كانت واقعة الطف ساحة عجيبة حقاً للاختبار، فالمجرمون قد ارتكبوا فيها من الجرائم ما يندر وجود مثيل له في التاريخ أو ينتفي وجوده أصلاً، من تلك الجرائم مثلاً, كانت جريمة ذبح الأطفال والفتيان وتقطيع أوصالهم على مرأى من أُمّهاتهم.

وقد عدَّ الذين استشهدوا بهذه الصورة في واقعة الطف فكانوا ثمانية (ثلاثة فتيان وخمسة أطفال) ذبحوا جميعاً أمام أعين أُمّهاتهم وقُطعوا أوصالاً وفُصلت رؤوسهم عن أجسادهم. وكان أحد هؤلاء الثمانية هو عبد الله بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام، هذا الطفل الرضيع استشهد أمام خيمة عيال الحسين كما ينص على ذلك أرباب المقاتل ويقولون: إنّ الإمام الحسين نادى أخته زينب وقال لها: “يا أختاه ايتيني بولدي الرضيع حتى أودّعه” وعندما كان الإمام عليه السلام يحتضن طفله الرضيع ويقبِّله رماه ابن سعد بسهم فذبحه من الوريد إلى الوريد.

والقاسم ابن الإمام الحسن شهيد آخر من شهداء كربلاء الذين شهدت أُمّهاتهم استشهادهم بتلك الصورة المفجعة، أمّا أُمّ علي الأكبر “ليلى” فلم تكن في كربلاء أثناء الواقعة رغم شيوع خبر حضورها الواقعة.

وعون بن عبد الله بن جعفر، هو شهيد آخر من شهداء الطّف الذين شهدت أُمّهاتهم مصرعهم بتلك الصورة الفجيعة، فأُمّه زينب شهدت بعينها مصرع ولدها9. وهنا نشهد صورة رائعة توضح سمو التربية التي ربيت عليها الحوراء الجليلة زينب عليها السلام فنحن لا نجد في أي من كتب المقاتل المفصلة، أنَّ العقيلة زينب قد ذكرت ولدها بشيء سواء قبل استشهاده أو بعده وكأنّها كانت ترى أنَّ ذكرها ولدها بشيء يتنافى مع الأدب الرفيع، أي إنّها كانت ترى هذه التضحية أقل من أن تذكر كفداء للإمام الحسين، في حين أنّ العقيلة زينب نفسها خرجت من الخيمة إثر مصرع علي الأكبر وهي تصرخ واأخيَّاه وابن أخياه وهذا ما لم تفعله عند مصرع ولدها عون.

وشهيد آخر من أهل البيت عليهم السلام لا أتذكر اسمه الآن، كان في العاشرة من عمره قد قتل أيضاً بتلك الصورة المؤلمة. يذكر أرباب المقاتل أنّ هذا الصبي، خرج من الخيمة بعد مصرع الإمام الحسين مبهوتاً مدهوشاً من تغير الأوضاع، وحينما كان يجيل النظر هنا وهناك في حيرة ودهشة جاءه رجل من معسكر الأعداء وذبحه وقطع رأسه وانتزع قرطين كانا في أذنيه وحدث ذلك على مرأى من والدته التي خرجت تبحث عنه.

وصبي آخر استشهد أيضاً يوم الطف بالصورة نفسها وما أفجعها من شهادة، شهادة عبد الله ابن الإمام الحسن المجتبى عليه السلام وهو صبي لم يتجاوز العاشرة وعندما توفي والده الإمام الحسن عليه السلام كان في رحم أُمّه أو طفلاً رضيعاً على أكثر تقدير، وهو لم ير والده على أيِّ حال. لذلك فقد تربى وترعرع في رعاية عمه الحسين عليه السلام والذي أصبح بالنسبة إليه عماً وأباً في آن واحد، ولذلك كان يحبه كثيراً. في يوم عاشوراء خرج عبد الله من الخيمة رغم أنّ الإمام الحسين كان قد أمر عياله أن لا يخرج أيُّ منهم من الخيام، وكان أمره عليه السلام مطاعاً، إلّا أنَّ هذا الصبي لم يطق الصبر على البقاء في الخيمة بعد أن سقط أبو عبد الله على الأرض وفقد القدرة على الحركة، لذلك خرج من الخيمة متوجهاً نحو عمه بعد أن أفلت من يد عمته زينب التي أسرعت إلى منعه من الخروج، وصرخ “والله لا أفارق عمي”، ووصل إلى عمه وألقى بنفسه على صدره – وسبحان الله ما أعظم صبر الحسين الذي ضم هذا الطفل إلى صدره – وفي غضون ذلك أغار أحد الأعداء على الحسين عليه السلام قاصداً طعنه بسيفه فصرخ به الطفل “يا ابن الخبيثة، أتقتل عمي” ورفع الصبي يده ليمنع بها سيف هذا الوغد من أن يصيب الإمام، فأصاب السيف يده فقطعها فصرخ الطفل “يا عماه أدركني”. ضم الإمام ابن أخيه إلى صدره وقال له: “يا ابن أخي اصبر على ما نزل بك فإنّ الله يلحقك بآبائك الطاهرين الصالحين، برسول الله وعلي وحمزة وجعفر والحسن”.

المصدر: كتاب الجهاد والشهادة، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.


المصادروالمراجع

1- سورة النساء، الآية: 100.
2-
يجد في الأرض سعة: أي إنّ الأرض واسعة غير محدودة بالمنطقة التي يعيش فيها ومراغم من الرغام وهو التراب اللين الناعم، وإرغام الأنف يعني: تعفيره بالتراب، وإرغام الأنف المستحب في الصلاة معناه أن يضع المصلي أنفه ويعفره بالتراب أو بما هو من التراب.
3-
سورة النساء، الآية: 100.
4-
سورة النساء، الآية: 97.
5-
سورة النساء، الآية: 100.
6-
م،ن.
7-
النص ضمن رسالة أمير المؤمنين علي عليه السلام إلى واليه على البصرة عثمان بن حنيف، ح 4، ص 590، ط بيروت دار الأندلس بشرح محمد عبده و (الرسالة: 45 صبحي الصالح).
8-
سورة البقرة، الآية: 30.
9-
لعبد الله بن جعفر زوج العقيلة زينب ولدان استشهدا كلاهما في واقعة الطف أحدهما عون وهو من زوجته زينب عليها السلام والآخر من زوجة أخرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق