موانع الجهاد

صور متقابلة

جمع الإمام الحسين عليه السلام أصحابه قرب المساء – قبل مقتله بليلة – فقال: ” أثني على الله أحسن الثناء وأحمده على السراء والضراء اللهم إني أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوة وعلمتنا القرآن وفقهتنا في الدين وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدة ولم تجعلنا من المشركين.

أما بعد فإني لا أعلم أصحاباً أولى ولا خيراً من أصحابي ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي فجزاكم الله عني جميعاً.

وقد أخبرني جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأني سأساق إلى العراق فأنزل أرضاً يقال لها عمورا وكربلا وفيها استشهد وقد قرب الموعد.

ألا وإني أظن يومنا من هؤلاء الأعداء غداً وإني قد أذنت لكم فانطلقوا جميعاً في حل ليس عليكم مني ذمام وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً، وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، فجزاكم الله جميعاً خيراً! وتفرقوا في سوادكم ومدائنكم فإن القوم إنما يطلبونني ولو أصابوني لذهلوا عن طلب غيري” فقال له اخوته وأبناؤه وبنو أخيه وأبناء عبد الله بن جعفر: لم نفعل ذلك؟ لنبقى بعدك، لا أرانا الله ذلك أبداً، بدأهم بهذا القول العباس بن علي وتابعه الهاشميون. والتفت الحسين إلى بني عقيل وقال: “حسبكم من القتل بمسلم اذهبوا قد أذنت لكم”

فقالوا: إذاً ما يقول الناس وما نقول لهم؟ إذا تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا خير الأعمام ولم نرم معهم بسهم ولم نطعن برمح ولم نضرب بسيف  ولا ندري ما صنعوا لا والله لا نفعل ولكن نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا نقاتل معك حتى نرد موردك فقبح الله العيش بعدك.

وقال مسلم بن عوسجة: أنحن نخلي عنك وبماذا نعتذر إلى الله في أداء حقك، أما والله لا أفارقك حتى أطعن في صدورهم برمحي وأضرب بسيفي ما ثبت قائمه بيدي ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة حتى أموت معك.

وقال سعيد بن عبد الله الحنفي: والله لا نخليك حتى يعلم الله إنا قد حفظنا غيبة رسوله فيك، أما والله لو علمت اني أُقتل ثم أحيا ثم أُحرق حياً ثم أُذرى، يفعل بي ذلك سبعين مرة لما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك وكيف لا أفعل ذلك وإنما هي قتلة واحدة ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً.

وقال زهير بن القين: والله وددت أني قتلت ثم نشرت ثم قتلت حتى أُقتل كذا ألف مرة وإن الله عز وجل يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك.
وتكلم باقي الأصحاب بما يشبه بعضه بعضاً فجزاهم الحسين خيراً.

وفي هذا الحال قيل لمحمد بن بشير الحضرمي: قد أُسر ابنك بثغر الري، فقال: ما أُحب أن يؤسر وأنا أبقى بعده حياً. فقال له الحسين: أنت في حل من بيعتي فاعمل في فكاك ولدك.
قال: لا والله لا أفعل ذلك، أكلتني السباع حياً إن فارقتك!

فقال عليه السلام: إذاً أعط ابنك هذه الأثواب الخمسة ليعمل في فكاك أخيه وكان قيمتها ألف دينار.

ثم قال الإمام عليه السلام: “إني غداً أقتل وكلكم تقتلون معي ولا يبقى منكم أحد حتى القاسم وعبد الله الرضيع إلا ولدي علياً زين العابدين لأن الله لم يقطع نسلي منه وهو أبو أئمة ثمانية”.

فقالوا بأجمعهم: الحمد لله الذي أكرمنا بنصرك وشرّفنا بالقتل معك أو لا نرضى أن نكون معك في درجتك يا ابن رسول الله فدعا لهم بالخير.

وفي ليلة عاشوراء والتي كانت أشد ليلة مرت على أهل بيت الرسالة، حفت بالمكاره والمحن وأعقبت الشر وآذنت بالخطر وقد قطعت عنهم الحالة القاسية من بني أمية وأتباعهم كل الوسائل الحيوية وهناك ولولة النساء وصراخ الأطفال من العطش المبرح والهم المدلهم.

هازل برير عبد الرحمن الأنصاري فقال له عبد الرحمن: ما هذه ساعة باطل؟
فقال برير لقد علم قومي ما أحببت الباطل كهلاً ولا شاباً ولكني مستبشر بما نحن لاقون، والله ما بيننا وبين الحور العين إلا أن يميل علينا هؤلاء بأسيافهم ولوددت أنهم مالوا علينا الساعة.

وخرج حبيب بن مظاهر يضحك فقال له يزيد بن الحصين الهمذاني: ما هذه ساعة ضحك! قال حبيب: وأي موضع أحق بالسرور من هذا؟ ما هو إلا أن يميل علينا هؤلاء بأسيافهم فنعانق الحور.

وخرج عليه السلام في جوف الليل إلى خارج الخيام يتفقد التلاع والعقبات فتبعه نافع بن هلال الجملي فسأله الحسين عما أخرجه قال:
يا ابن رسول الله أفزعني خروجك إلى جهة معسكر هذا الطاغي، فقال الحسين: إني خرجت أتفقد التلاع والروابي مخافة أن تكون مكمناً لهجوم الخيل يوم تحملون ويحملون ثم رجع عليه السلام وهو قابض على يد نافع ويقول: هي هي والله وعد لا خلف فيه.
ثم قال له: ألا تسلك بين هذين الجبلين في جوف الليل وتنجو بنفسك؟
فوقع نافع على قدميه يقبلهما ويقول: ثكلتني أمي، إن سيفي بألف وفرسي مثله فوالله الذي منّ بك علي لا فارقتك حتى يكلاّ عن فري وجري.

ثم دخل الحسين خيمة زينب وقف نافع بازاء الخيمة ينتظره فسمع زينب تقول له: هل استعلمت من أصحابك نياتهم فإني أخشى أن يسلموك عند الوثبة.
فقال لها: والله لقد بلوتهم فما وجدت فيهم إلا الأشوس الأقعس يستأنسون بالمنية دوني استيناس الطفل إلى محالب أمه.
قال نافع: فلما سمعت هذا منه بكيت وأتيت حبيب بن مظاهر وحكيت ما سمعت منه ومن أخته زينب.
قال حبيب: والله لولا انتظار أمره لعاجلتهم بسيفي هذه الليلة، قلت: إني خلفته عند أخته وأظن النساء أفقن وشاركنها في الحسرة فهل لك أن تجمع أصحابك وتواجهوهن بكلام يطيب قلوبهن، فقام حبيب ونادى: يا أصحاب الحمية وليوث الكريهة فتطالعوا من مضاربهم كالأسود الضارية فقال لبني هاشم: ارجعوا إلى مقركم لا سهرت عيونكم.

ثم التفت إلى أصحابه وحكى لهم ما شاهده وسمعه نافع، فقالوا بأجمعهم: والله الذي منّ علينا بهذا الموقف لولا انتظار أمره لعاجلناهم بسيوفنا الساعة!
فطب نفساً وقر عيناً فجزّاهم خيراً.
وقال: هلموا معي لنواجه النسوة ونطيّب خاطرهن. فجاء حبيب ومعه أصحابه وصاح: يا معشر حرائر رسول الله، هذه صوارم فتيانكم آلو ألا يغمدوها إلا في رقاب من يريد السوء فيكم وهذه أسنة غلمانكم أقسموا ألا يركزوها إلا في صدور من يفرق ناديكم1.

حينما بلغ الإمام الحسن عليه السلام أن معاوية قد سار قاصداً إلى العراق لمحاربته، وأنه قد بلغ جسر منبج، تحرك لذلك وبعث حجر بن عدي بأمر العمال والناس بالتهيؤ للمسير.

ونادى المنادي: الصلاة جامعة، فأقبل الناس يتوثبون ويجتمعون، فقال الحسن عليه السلام: إذا رضيت جماعة الناس فأعلمني.

وجاء سعيد بن قيس الهمذاني فقال: أخرج.

فخرج الحسن عليه السلام، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: “أما بعد، فإن الله كتب الجهاد على خلقه وسماه كرهاً، ثم قال لأهل الجهاد من المؤمنين: اصبروا إن الله مع الصابرين فلستم أيها الناس نائلين ما تحبون إلا بالصبر على ما تكرهون، إنه بلغني أن معاوية بلغه أنا كنا أزمعنا على المسير إليه فتحرك لذلك فاخرجوا رحمكم الله إلى معسكركم بالنخيلة.

فسكتوا فما تكلم منهم أحد ولا أجابه بحرف، فلما رأى ذلك عدي بن حاتم قام فقال:
أنا ابن حاتم سبحان الله ما أقبح هذا المقام، ألا تجيبون إمامكم وابن بنت نبيكم، أين خطباء مضر، الذين ألسنتهم كالمخاريق في الدعة فإذا جد الجد فروّاغون كالثعالب، أما تخافون مقت الله وعيبها وعارها، ثم استقبل الحسن بوجهه فقال:
أصاب الله بك المراشد، وجنبك المكاره، ووفقك لما تحمد ورده وصدره قد سمعنا مقالتك وانتهينا إلى أمرك وسمعنا لك وأطعناك فيما قلت وما رأيت وهذا وجهي إلى معسكري فمن أحب أن يوافيني فليواف. ثم مضى لوجهه فخرج من المسجد ودابته بالباب فركبها ومضى إلى النخيلة وأمر غلامه أن يلحقه بما يصلحه، وكان عدي بن حاتم أول الناس عسكراً.

وقام قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري ومعقل بن قيس الرياحي وزياد بن صعصعة التيمي فأنّبوا الناس ولاموهم وحرّضوهم وكلّموا الحسن بمثل كلام عدي بن حاتم في الإجابة والقبول، فقال لهم الحسن عليه السلام: صدقتم رحمكم الله مازلت أعرفكم بصدق النية والوفاء والقبول والمودة الصحيحة فجزاكم الله خيراً 2.

وبين هذه الصور المتقابلة، ترتسم عدة أسئلة متقابلة

ما الذي جعل أنصار الإمام الحسين، يستأنسون بالمنية استيناس الطفل إلى محالب أمه؟ وكل واحد فيهم أشوس أقعس – كما يقول الإمام عليه السلام؟

وما الذي جعل الناس في الصور الثانية، يتراجعون ويتخاذلون عن الجهاد؟

وبوجه عام: لماذا يتفاوت الناس من حيث الاستجابة للجهاد؟

فنجد البعض يزج بنفسه في لهواته ويعتنق البطولة اعتناق الحبيب حبيبه، وتجد البعض الآخر يفر من الزحف، ويدس رأسه في التراب حينما يسمع داعية الجهاد؟

ودقةً في الاستفسار نقول
ما هي موانع الجهاد؟
وما هي دوافع الجهاد؟
وكيف يعالج الإسلام الموانع، وكيف يخلق في ذات الإنسان المؤمن الدوافع؟

قبل الإجابة أبين هذه الملاحظة، وهي الطريقة التي سنحاول بها استنطاق الرؤية الإسلامية في الإجابة على هذه الاستفسارات، وهي:

إن الإسلام حينما يعالج مانعاً من موانع الجهاد، فإنه في ذات الوقت، وبنفس الفكرة والرؤية يخلق دافعاً، في ضمير الإنسان المؤمن. كما أن الإسلام، وقبل أن يعالج موانع الجهاد، يصوغ شخصية الإنسان المسلم، بصورة تجعله متهيئاً في أية لحظة من لحظات حياته لغرض الجهاد والدفاع عن مقدساته والمستضعفين.

لا نريد من بحثنا هذا، مجرد مناقشة نظرية تحلل مواقف متباينة حدثت في التاريخ الإسلامي القديم، بل هدفنا منه استنباط رؤية إسلامية، تعين القائمين على الأمة الإسلامية، والحركة الإسلامية في علاج مشكلة التخلف عن الجهاد، والحالة التراجعية التي تكاد تكتسح نسبة معينة من المسلمين اليوم مع أن كل شبر من أمتنا يستصرخ أبناءها بالتغيير، وقد يستصرخهم بالكفاح المسلح.

والمسلمون اليوم ينقسمون عدة أقسام من حيث استجابتهم للجهاد
1- الذين لا تتجاوز استجابتهم، القراءة النظرية لآيات وروايات الجهاد، وكأن القرآن والسنة نزلت على أمة غيرهم.

2- الذين لا يخرج الجهاد من حيّز الأمنية – المستحيلة – في خلدهم ولا يرون أن الأمة الإسلامية اليوم يمكن لها أن تجاهد.

3- المبررون، الذين يرون أن الجهاد واجب، ويمكن أن تتحمله الأمة الآن، ولكنه فرض على غيرهم، لا عليهم.
هؤلاء هم الذين جعلوا لكل حق باطلاً، ولكل مستقيم مائلاً، كما يقول الإمام علي عليه السلام.

4- الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
﴿فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾.3
الذين لا زالوا يلبّون نداء الحسين: (هل من ناصر ينصرنا). تراهم في كل بقعة تسفح دماً، وعلى كل أرض نجستها أقدام أعداء الإسلام، جاءوا ليطهروها بدمائهم. وكما يقول الشاعر:
لا تطهر الأرض من رجس العدى أبداً ما لم يسل فوقها سيل الدم العرم

إذن، دعونا نعرف..

ما هي عوائق الجهاد وموانعه؟

ومن ثم لماذا يتفاوت الناس في استجابتهم للجهاد، فيرتقي البعض منزلة أنصار الإمام الحسين عليه السلام ويتساقط آخرون إلى درك القاعدين المتخلفين عن الجهاد، في قعرالتخلف في الدنيا ولعلّه قعر جهنم في الآخرة؟!

ومع أن الموانع كثيرة، إلا أنني سأحاول، تلخيصها في أربعة:

المانع الاول: الــركـون للــدنـيـا

ولنعرف قبل التفصيل: ما هي الدنيا؟

يقول تعالى في كتابه المجيد:﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ 4

ويقول الإمام الباقر عليه السلام، عن الدنيا:”هل الدنيا إلا دابة ركبتها في منامك فاستيقظت وأنت على فراشك غير راكب، ولا أحد يعبأ بها، أو كثوب لبسته، أو كجارية وطئتها5

ويقول الإمام الصادق عليه السلام:”الدنيا مثلها مثل اللذات في الحلم6.

وإذا كانت كذلك – وهو أكيد – فهل يأسى أحد على رؤية شاهدها في النوم ثم استيقظ فلم ير منها شيئاً؟.

ونُقل عن الإمام الباقر عليه السلام، أنه رأى جابر بن عبد الله وقد يتنفس الصعداء.
فقال عليه السلام: يا جابر على ما تنفسك.. أعلى الدنيا؟
فقال جابر: نعم.
فقال له الإمام: “يا جابر ملاذ الدنيا سبعة: المأكول والمشروب، والملبوس، والمنكوح، والمركوب، والمشموم، والمسموع.
فألذ المأكولات العسل وهو بصق ذبابة.
وأحلى المشروبات الماء وكفى بإباحته وسباحته على وجه الأرض.
وأعلى الملبوسات الديباج وهو من لعاب دود.
وأعلى المنكوحات النساء، وهو مبال في مبال، وإنما يراد أحسن ما في المرأة أقبح ما فيها.
وأعلى المركوبات الخيل وهو قواتل.
وأجل المشمومات المسك وهو دم من سرّة دابة.
وأجل المسموعات الغناء والترنم وهو إثم.
فما هذه صفته لم يتنفس عليه عاقل”.

قال جابر بن عبد الله: فوالله ما خطرت الدنيا بعدها على قلبي7.

إن الدنيا التي يتقاتل الناس عليها، وينسون خالقهم بسببها، لا تتجاوز سبعة أشياء، أكل، وشرب، ولباس، ونكاح، وركوب، وشم، وسماع.

والذين يعرفون حقيقة هذه الدنيا، يترفعون عن كل ذلك، فتراهم يسمون مع خالقهم، ويتعالون مع مبادئهم8.

ولقد ضرب الإمام الصادق عليه السلام، مثلاً لواقع الدنيا، إذ يقول:”إن رجلاً تعقبه ذئب، فهرب منه حتى وصل إلى بئر فتدلى فيه، ووضع أرجله على منحنيات جداره، ولما أراد ينزل إلى قعر البئر، وجد هنالك العقارب في أرضه، ثم جاء الذئب وقف أعلى البئر، وبدا يهيل حفنات التراب على رأسه، وظل هذا الرجل متعلقاً، لا يدري كيف ينقذ نفسه، فنظر إلى جدران البئر، فوجد بعض الخضار والنباتات الصغيرة، فانشغل بها عن الذئب وعن الثعابين والعقارب“.

ثم قال الإمام:”الذئب هو الموت الذي يتبعنا يبحث عنا، وهذا التراب الذي يهيله على رأس الإنسان، أيام تنقرض من عمره، وأما الثعابين والعقارب فهي في القبر، وهذه النباتات الصغيرة في جدار البئر إنما هي الدنيا9.

ويقول الإمام الصادق عليه السلام أيضاً:”وما عسى أن تكون الدنيا؟! هل هي إلا طعام أكلته، أو ثوب لبسته، أو دار سكنته، فأنزل الدنيا كمنزل نزلته، ثم ارتحلت عنه، أو كمال وجدته في منامك، واستيقظت عنده، فليس معك منه شيء10.

إذن… هذه هي الدنيا.

ولقد عالج الإسلام مشكلة الركون إلى الدنيا، وكونها مانعاً عن الجهاد، بعدة أبعاد، وعبر محورين:

الأول: علاج الركون إلى الدنيا في إطارها العام

ألف: كشف عن حقيقتها

فقال تعالى: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾.

وقال الله تعالى أيضاً، عن لسان أحد رسله:”يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وأن الآخرة هي دار القرار“.

فالدنيا ليست هدفاً، إنما هي وسيلة. وهل يجوز للإنسان أن يتعلق بالوسيلة، فينسى الهدف الذي من أجله ركبها؟!

كلا… إذن فلابد من التعامل مع الدنيا بهذه الصفة لا أكثر.

روي عن جبرئيل عليه السلام أنه سأل نوحاً عليه السلام:
 يا أطول الأنبياء عمراً، كيف وجدت الدنيا؟
قال: كدار لها بابان دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر.

ويقول السيد المسيح عليه السلام:”من ذا الذي يبني على موج البحر داراً؟! تلكم الدنيا فلا تتخذوها قراراً“.

ويقول الإمام علي عليه السلام:”أيها الناس إنما الدنيا دار مجاز والآخرة دار قرار، فخذوا من ممركم لمقركم“.

وكثيرة هي الأخبار التي تكشف حقيقة الحياة الدنيا.

باء: أشار إلى برنامج رائع للتعامل مع الدنيا

وهو الزهد فيها، والذين يزهدون في الدنيا، لا يتخلفون أبداً عن الجهاد.

يقول الإمام علي عليه السلام: “من زهد في الدنيا أعتق نفسه، وأرضى ربه“.

وحقيقة الزهد يوضحها القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ11.

أي أن لا تتأثر ولا تعير اهتماماً لأعراض الدنيا الفانية، سواء ما خسرت منها أو ما ستحصل عليه.

وهو يعني التعامل مع الدنيا من موقع القوة، فلا شيء غير المبادئ والقيم تستطيع أن تشد الزاهد لليمين أو لليسار. بل يبقى مستقيماً منفذاً لما يأمره به دينه ورسالته.

وإن من يعيش زاهداً في الحياة، يعيش حراً، لا يشده شيء إلى الأرض، وطنه دينه، وراحلته رجلاه، وحبيبه الله، وهو موجود في المكان، ومعبود في كل زمان12

جيم: حذر من مغبة الانسياق وراء الدنيا

فقال: “الدنيا رأس كل خطيئة“.

وقال على لسان الإمام علي عليه السلام: “احذروا الدنيا فإنها دار قلعة وليست بدار نجعة“.

ويقول: “احذروا الدنيا فإنها ليست بدار غبطة، قد تزينت بغرورها، وغرت بزينتها، لمن كان ينظر إليها“.

ويقول: “احذروا الدنيا فإن في حلالها حساب، وفي حرامها عقاب، وأولها عناء وآخرها فناء“.

دال: قارن مقارنة جميلة بين الدنيا والآخرة

فجعل الدنيا مزرعة الآخرة، فمن زرع خيراً حصد جنة، ومن زرع شراً حصد ناراً، هكذا ولا منطقة وسطى بينهما. وشرح بشكل مفصّل ما هي الجنة؟ وما هي النار؟!

يقول تعالى: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ13

ويقول تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ14

ويقول أيضاً: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ…15

هكذا إذن هي الجنة.

أما النار فيقول عنها: ﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى16.

ويقول: ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ17.

ويقول: ﴿حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ18.﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾19

ووصوف الجنة والنار كثيرة، ليس البحث معقوداً لبيانها.

الثاني: علاج الركون إلى الدنيا في حالة اتصال بعملية الجهاد
وكان العلاج عبر آيات وروايات مفصلة، نأتي على بعضها لاستخلاص رؤية حضارية منها.

ألف: يقول الحق في كتابه العزيز:﴿إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ20

إن الإسلام هنا ليس في صدد نسف أدوات الدنيا، إنما هو يبرمج أولويات المسلم في الحياة، فهو يدعو لتقوية آصرة القرابة، ويحث على الكسب الحلال والمتاجرة، ويبيح تشييد المساكن.. إلا أنه يدعو لكل ذلك، في حدود التقيد بالأولويات.

فأولويات المسلم يحددها أمر الله عز وجل، وأمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ثم الجهاد في سبيل الله – وبعدها يصبح الإنسان في حل من دنياه، في حدودها المشروعة.. أما من يتجاوز هذه الأولويات فليتربص أمر الله، وهو حينئذ من الفاسقين.

إن الله سبحانه وتعالى – في هذه الآيات – تعرض لكل أنواع العلائق، ثم حدد الأهم على المهم فيها.

ونلاحظ في آيات أخر، كيف ان الإسلام يحث على تقوية الروابط العائلية.

يقول تعالى:﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا21 … ﴿فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا22.

ولكنه يقول أيضاً، لتحديد الأولويات في الرابطة:﴿وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي .. فَلَا تُطِعْهُمَا23.

فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وإن كان هذا المخلوق، هو أحد الوالدين، أو كلاهما. والذي لا يجوز للمسلم أن يتأفف أمامهما.

باء: يقول تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ * إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ24.

المتدبر في كلمة اثاقلتم، يلاحظ كم هو رائع هذا التعبير، إذ شد الروابط الدنيوية تجعل الإنسان ثقيلاً على الأرض، صعب التحرك.

وهنا يبين القرآن أن المتاع الدنيوي الذي ينخدع به الإنسان، قليل إذا ما قيس بمتاع الآخرة، فهنا لذة تنفذ، وهناك لذة لا تنفذ، وكم هو فرق بين اللذتين.

ثم يهدد – الذين آمنوا المتثاقلين – إن لم ينفروا بخطرين:

الأول: العذاب الأليم.. وأي عذاب أليم حينما يتوعد به العظيم.

الثاني: استبدالهم بقوم آخرين، لا يتثاقلون مثلهم.

جيم: يقول تعالى:﴿انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ وَلَكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ25.

لقد عالج القرآن في هذه المقطوعة من الآيات عدة مسائل تتصل بالجهاد والدنيا
1- دعا للجهاد الفردي، والجهاد الجماعي.
2- دعا للجهاد بالأموال، والجهاد بالأنفس.
والتقديم والتأخير في الجهاد الفردي على الجماعي، والجهاد بالأموال على الجهاد بالأنفس يكشف عن حقيقة تربوية يقررها الإسلام، وهي أن الجهاد
الجماعي يبدأ من الفرد، والجهاد بالأنفس يبدأ من الجهاد بالمال.
3- دعا إلى العلم بالموضوع لكي تتضح أمامهم الرؤية.
4- كشف عن النفسيات الاسترخائية لدى بعض المسلمين.
5- إن الذين سيحلفون لتبرير تخلفهم كاذبون.

ومن الركون إلى الدنيا، الخوف على المستقبل من قبل البعض، إن التحقوا بصفوف المجاهدين.

وهذا المبرر أصبح ذريعة في عصرنا للكثيرين، للتخلف عن الجهاد وحمل راية التغيير في المجتمع فلعلك تسأل أحد المسلمين عن سبب عدم تحركه للتغيير، بيده أو بلسانه أو بقلبه وهو أضعف الإيمان، فيجيبك انه يخشى على مستقبله.

يقول: أريد أن أصبح طبيباً في المستقبل، وأريد أن أصبح مهندساً، والجهاد قد يكون عقبة في طريقي، فقدمت الطب على الجهاد.

وهذه التبريرات كلها تعني الركون للدنيا. وتقديمها على الله ورسوله وجهاد في سبيله هي ذاتها الشهوات التي تزين للإنسان.

يقول تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ26.

فالذي يدّعي خوفه على مستقبله، إنما هو خائف في الحقيقة على متاع الحياة الدنيا وطالما كان ذلك المستقبل في الدنيا، وجب التعامل معه كـأي متاع فيها، وإنما المستقبل الحقيقي في الآخرة.

يقول تعالى بعد هذه الآية مباشرة: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَاد27.

إذن، ليعمل كل واحد للمستقبل الآخروي، ويتعامل مع مستقبله في الدنيا كما مع الدنيا كوسيلة وليست هدفاً.

المانع الثاني: الخـوف مـن الـمــوت
كل خوف في الحياة ينتهي إلى الخوف من الموت.
فالإنسان يخشى الاعتقال، لأنه قد يؤدي به إلى الموت. ويخاف التهجير، لأنه قد يؤدي به إلى الجوع، ومن ثم إلى الموت.
ويحصن نفسه ضد المرض، لأن المرض قد يقربه إلى الموت. وهكذا فإن كل خوف لدى الإنسان ينتهي إلى الخوف من الموت.
كما عالج الإسلام مسألة الركون إلى الدنيا عبر محورين أساسيين، كذلك يعالج مسألة الموت.

وهذان المحوران هما
الأول: أعطى الرؤية الواقعية للموت

يقول تعالى في القرآن الكريم:﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلاً28.

فلا السجن، ولا التعذيب، ولا الحرق، ولا التهجير، ولا خوض الجهاد يمكن لها أن تحدد توقيت الموت بالنسبة للإنسان. إنما هو بيد الله.

ويقول جل اسمه:﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ29.

فلا الدور، ولا القصور، ولا الحرس ولا الوقاية الصحية القصوى، يمكن لها أن توصد الأبواب أمام ملك الموت حينما يأتي لانتزاع الروح.

ويقول أيضاً: ﴿فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ30

ومن هنا أيضاً نلاحظ أن الكثير من الأحاديث والروايات، تركز على ضرورة أن يكون الموت حقيقة واضحة أمام الإنسان في كل آن.

يقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم:”موتوا قبل أن تموتوا“.

ويقول صلى الله عليه وآله وسلم:”أفضل الزهد في الدنيا ذكر الموت“.

ويقول أيضاً صلى الله عليه وآله وسلم:”أفضل الزهد في الدنيا ذكر الموت، وأفضل العبادة ذكر الموت، وأفضل التفكر ذكر الموت، فمن أثقله ذكر الموت وجد قبره روضة من رياض الجنة“.

الثاني: عالج مشكلة الموت في حالة اتصاله بالجهاد
1- أوضح أن الموت لا علاقة له بالجهاد، فالآيات التي ذكرت في المحور الأول كلها تؤكد أن الموت بيد الله، ولا علاقة للسجن والحرب وغيرها به، تماماً كما أن درأ الموت بأية وسيلة وطريقة لا يجدي.فلو كنتم في بروج مشيدة يدرككم الموت. وخير دليل على أن الحرب والجهاد، لا علاقة لهما بالموت، حياة الإمام علي عليه السلام، التي قضى جلّها بين الأسنة والرماح والسيوف.. وفي نهاية عمره الشريف، قتل في محراب صلاته، لا صلاة حربه.

2- أنه جعل درجة رفيعة، وتقديراً عالياً لمن يقتل في ساحة الجهاد. إذ اعتبره شهيداً.”وفوق كل ذي بر بر حتى يقتل المرء في سبيل الله فليس فوقه بر“.
وقال عنه إنه حي خالد يرزق:﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ31

وكثير من التكريم الذي يناله الشهيد لم يكن يحصل عليه لولا موته في المعركة. وإذا كان الموت نهاية الحياة، فهل هنالك أفضل من نهاية بشهادة؟…

المانع الثالث: عــدم وضـوح الـرؤيـة
إن طبيعة الجهاد طبيعة متعبة، بغيضة لدى النفوس، فلا أحد يحب سماع أصوات المتفجرات، ورؤية أدخنة الانفجارات، ومعاينة سيول الدماء، وأشلاء الجرحى والقتلى.

من هنا فإن القتال كره كما يعبر عنه القرآن الكريم:﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ32.

ولكن.. ليس كل كره يجوز تركه، بل قد يجب فعله.

فشرب الدواء كره، إلا أنه ضرورة للإنسان. وبتر العضو الفاسد المفسد في الجسم كره أيضاً، لكن بقاءه يعني استيعاب الجسم كله بالمرض الخبيث.. وهكذا.

يقول تعالى: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ33

فليس الحب والبغض مقياساً لكشف النتيجة المستقبلية، بل قد يكون العكس في الكثير من الأحايين هو الصحيح.

ومن الآية الكريمة هذه نستشف رؤية وهي:ضرورة أن يعمل الإنسان فكره في عاقبة العمل الذي يقوم به، والفكرة التي يتبناها أهي خير أم شر، ولا ينساق أبداً وراء حب الفكرة أو بغضها.”فالحب يعمي ويصم” كما قيل.

ولأن طبيعة الإنسان جبلت على الجهل والركون إلى الفكرة المحببة، جاء الإسلام ليبدد الضبابية عن رؤيته، ويوضح له النتائج.

يقول تعالى:﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ34.

كل ذلك لكيلا يمنعهم كره القتال عن الانطلاق. والجهاد في سبيل الله.

ثم إن الإسلام يؤكد أن الجهاد فرصة لنيل إحدى الحسنيين، النصر أو الشهادة وكلاهما خير.

يقول تعالى: ﴿إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ * قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ﴾35

فالجهاد ليس مدعاة للاشمئزاز لدى المؤمنين، إنما هو فرصة للتوثب، اما للنصر واما للشهادة.

هذا أسلوب يفك به الإسلام ضبابية الرؤية حول الجهاد، وهنالك أسلوب آخر، وهو التحذير من التخلف عن الجهاد.

يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “فمن ترك الجهاد ألبسه الله ذلاً في نفسه، وفقراً في معيشته، ومحقاً في دينه، إن الله سبحانه وتعالى أعز أمتي بسنابك خيلها ومراكز رماحها“.

فهذه ثلاث مردودات لترك الجهاد:

1- مردود نفسي.. وهو الذل.. وطبيعة الذليل استسلامي، ضعيف الشخصية، وحينما تصبح أمة كذلك تمكن الأمم القوية من أكلها، كما يأكل الأسد فريسته.

2- مردود اقتصادي.. وهو الفقر والحاجة، فتعيش الأمة على موائد الآخرين، الذين ينهبون ثروتها، ثم يرجعونها عليها بالتقطير، وبضمانة الخضوع لهم.

3- مردود ديني.. وهو محق الدين، ولهذه الكلمة بعدان:

الأول: إن تارك الجهاد تارك واجب إسلامي، هذا الإنسان تبنى شخصيته على أساس عدم الامتعاض لترك الواجبات، فيتنازل شيئاً فشيئاً.. حتى يترك الصلاة والصيام.

الثاني:
 أن العدو الذي فرض على المسلمين ترك الجهاد، وتقبلتها نفوسهم، يبدأ في ممارسة ضغطه لترك بقية شعائر الدين.. وهكذا يترك المسلمون كل الدين أو يتنازلون عن مضامينه.. وهكذا يمحق الدين.

وكلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صحيح مائة في المائة، والوضع المتردي للأمة الإسلامية الآن يؤكد ذلك، لقد كشف هذا الواقع برؤيته البعيدة صلى الله عليه وآله وسلم، للمسلمين الأوائل إذ قال:”كيف بكم إذا تداعت عليكم الأمم، كتداعي الأكلة على القصعة”.
قالوا: أفي قلة نحن يا رسول الله؟
قال: “لا. بل في كثرة.. ولكن غثاء كغثاء السيل”.

ويقول الإمام علي عليه السلام:”أما بعد، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، فتحه الله لخاصة أوليائه، وهو لباس التقوى، ودرع الله الحصينة، وجنته الواقية، فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذل وشمله البلاء وديّث بالصغار – أي الحقارة – والقماءة وضرب على قلبه بالإسهاب وأديل الحق منه بتضييع الجهاد، وسيم الخسف ومنع النصف“.
وهكذا هو مصير التاركين للجهاد.

المانع الرابع: الـــجـــبـــت
وهي العوامل النفسية السلبية التي تقعد بالإنسان عن الجهاد، وتمنعه من الانطلاق.

تماماً كما أن هنالك أناساً يفرضون على المرء أحياناً عدم التحرك، والرقي إلى مدارج الكمال وهؤلاء يمثلون الطاغوت، كذلك فإن العوامل النفسية الداخلية قد تشكل طاغوتاً داخلياً، يثقل الإنسان إلى الأرض، ويحول بينه وبين الجهاد.

وقد يتمثل الجبت في الخوف أو الجبن أو الكسل أو التردد.. أو ما شابه ذلك، فإنها كلها من العوامل التي تقعد بالإنسان عن الجهاد.

وأبرز ظاهرة لكشف الجبت الذي يعشعش في قلوب البعض، حالة التبرير التي يحاول المتخلفون عن الجهاد إبداءها حينما تُرفع راية الجهاد، وقد صور القرآن الكثير من المواقف التي يرينا فيها حالة الذين قعد بهم الجبت عن الجهاد.

يقول تعالى:﴿لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ * إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ36

هنا يكشف القرآن حقيقة الذين جاؤوا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستأذنونه في الجهاد، هؤلاء يكشف القرآن حقيقة داء التردد عندهم فيقول:﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾.

والمصابون بالجبت، يلاحقهم مرضهم حتى في خضم المعركة، ويحاولون الإفادة من كل موقف لكي يؤكدوا تشكيكهم وترددهم وهؤلاء أقرب حالة إلى المنافقين من المؤمنين ولنقرأ هذه الصورة الرائعة التي يصورها القرآن عن هؤلاء المرضى، في المعركة.

يقول تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا * وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى