ضرورة الجهاد ومنطلقاته

يقول تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا1.

هل يمكن إلغاء الحروب والمعارك، وكل النزاعات، والخلافات من على وجه الأرض؟

وهل يمكن عقد هدنة شاملة ودائمة بين كل الشعوب والدول، والأطراف؟

وهل يمكن للبشرية أن تعيش بلا صراع؟

ليس من الممكن إلغاء شيء اسمه الصراع على وجه هذه الأرض – طالما كان هنالك الحق والباطل – فالصراع قائم منذ بدء الخليقة، وهو موجود ومستمر.

فالحياة قائمة على معادلة الصراع.. يقول الله عز وجل:﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ2.

قد تكون هنالك هدنة مؤقتة للحرب والمعارك ولكن ليس هنالك صلح دائم ومستمر.

ذلك لأن طبيعة الحياة قائمة على الصراع، وحتى الحيوانات مثلاً تخوض الصراع بينها، وهي لذلك مجهزة بوسائل الهجوم والدفاع الطبيعية، مثل الأنياب، والمخالب، والقوة البدنية.

بيد أن الإنسان يختلف – في معركته – عن الحيوان – فإذا كان الأخير يدخل الصراع دخولاً عشوائياً وبلا هدف، فإن الإنسان إنما يخوض الصراع من أجل هدف وخطة مرسومة.

وبالطبع قد تختلف الأهداف عند هذا الإنسان وذاك، وقد يكون بعضها نبيلاً والبعض الآخر سيئاً وقبيحاً.

فالبعض يدخل الحرب من أجل نشر رسالات الله، والدفاع عن المستضعفين والمحرومين، ومن أجل إقامة العدل والحرية. والبعض الآخر يشعل نار الحرب من أجل المصالح الدنيوية كحب السيطرة، والوصول إلى دفة الحكم.

أي أن هنالك صراع حق، وصراع باطل، كما أن هناك معركة بين الحق والباطل، والصراع الديني هو الصراع الحق، وما سواه صراع زائف.

ذلك لأن الصراع الديني يريد تحقيق حكم الله، وبالتالي فإنه يريد تحقيق السلام والعدل والحرية والرفاه الشامل.

إن الصراع الحق هو من أجل إنهاء كل الصراعات الزائفة التي تهدف الى سلب حقوق الإنسان.

من هنا.. كان الجهاد في الشريعة الإسلامية فريضة واجبة مقدسة، كما هي الصلاة والحج، وفروع الدين الأخرى.

إلا أن هنالك فهم تجزيئي من قبل كثير من الناس في تعاملهم مع أحكام الدين.. وسيما ما يرتبط بقضية الجهاد.

لو قيل – مثلاً – أن هناك من يجاهد ولكنه لا يصلي – مع أنه افتراض بعيد – فإن هناك الكثير من علامات الاستفهام والتعجب سترتسم في الأذهان تجاه هذه الحالة التجزيئية غير المعقولة.

إلا أن قولاً معاكساً لذلك سوف يمر على الأذهان دون أن يثير فيها أي علامة تعجب أو بذور استنكار، مثل أن يكون هناك شخص يصلي، ولكنه لا يجاهد.

أي ما هو السبب الذي لا يثير علامات التعجب حول من يصلي، ولا يجاهد، بينما يكون التعجب والاستنكار والدهشة البالغة لمن يجاهد ولا يصلي؟.

هناك إذن فهم خاطئ وتجزيئي للإسلام.. قبول ببعض الكتاب وإيمان ببعض أحكامه كالصلاة، ورفض لبعضه الآخر وكفر بأحكام أخرى كالجهاد.

يقول الله عز وجل:﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ3.

هذه النتيجة نجدها بوضوح مبين في الواقع الذي تعيشه الأمة الإسلامية اليوم، والتي جزّأت أحكام دينها، فأكثر من مليار ونصف المليار مسلم – حسب الإحصائيات الأخيرة – ينهزمون أمام ثلاثة ملايين إسرائيلي.

أليس هذا هو الخزي في الحياة الدنيا، دونه خزي الآخرة وعذابها.

إن أشد العذاب هنا ليس للمبالغة كما نردد في أحاديثنا.. إنما هو كلام الله سبحانه وتعالى.

كما أنك لا تستطيع أن تحقق السعادة حتى في مجال حياتك الشخصية إلا بأخذ الإسلام كاملاً، وتطبيقه شاملاً.. ويستحيل أن تكون سعيداً – تمام السعادة – في المجال الشخصي وأنت لا تطبق كامل أحكام الإسلام قي المجال الفردي… فكيف بالنسبة للأمة ونظامها السياسي والاجتماعي والاقتصادي؟

وبالفعل فإن عذاباً شديداً ينتظر أولئك الذين جزءوا الإسلام وبعّضوا أحكامه.

إن الجهاد جزء رئيسي في بناء الإسلام، وإذا ما حذفناه من برنامج الأمة ومنهجها وسلوكيات أبنائها فإن هذه الأمة سوف تضيع – لا سمح الله -.

فلا يمكن أن تقلع الطائرة إذا لم تكن متكاملة الأجزاء.. فلو فقد إزميل (برغي) في جسم الطائرة لأثّر على طيرانها. لذلك نرى أن عمال الصيانة وخبراء الطيران يتجمعون حول الطائرة بعد كل رحلة كخلية النحل يتفحصون أجزاءها ليقرروا بعدها هل أن الطائرة صالحة للطيران أم لا؟ لأن القضية متعلقة بأرواح الناس وحياتهم.

وإذا حذفنا من الإسلام أي جزء، وإذا تجاوزنا أية فريضة.. ليس شرط أن تكون الجهاد.. كالصلاة والصيام والخُمس وغيرها، عندها لن نتمكن من الطيران بهذا الدين إلى حيث النصر والحياة العزيزة التي وعد تعالى بها عباده.

يقول الإمام الصادق عليه السلام:”أصل الإسلام الصلاة، وفرعه الزكاة، وذروة سنامه الجهاد“.

وكأن الإمام عليه السلام يريد أن يؤكد أن الإسلام متكامل فهو ليس الصلاة فقط – وإن كانت أصله – فهناك الزكاة.. وهناك الجهاد في الذروة.

والذروة تعني القمة و(فوق كل ذي بر بر حتى يقتل المرء في سبيل الله). إنها أعلى مراحل الجهاد.

حتى قضية الإيمان ليست جزءاً واحداً بل هي عدة أجزاء ينبغي أن نعمل بها جميعاً حتى نصل إلى حقيقة الإيمان.

يقول الإمام علي عليه السلام موضحاً هذه الحقيقة:”الإيمان أربعة أركان.. الصبر واليقين والعدل والجهاد“.

أجل.. الجهاد ضرورة حضارية لا بد منها، ولو تركت ذلك أي أمة فإنها ستبوء بالذل والعبودية.

فإذا كان الدفاع عن الذهب والمجوهرات ضد السارقين دفاعاً مشروعاً ونافعاً، فإن الدفاع عن الدين ومقدسات الأمة أعظم مشروعية وأنبل فائدة، فهو يحفظ للأمة كرامتها وعزتها وشرفها.

وفي الحقيقة ان من السذاجة بمكان التغافل عن فائدة الجهاد وضرورته.

وإلا فحياتنا – تكون حينئذٍ – كحياة البهائم والأرانب العزلاء التي تقدم يومياً ضحايا للبشر دون أن تدافع عن نفسها ولو بشوكة.

إننا بحاجة إلى الجهاد دائماً من أجل أن لا يكون ضلال، ومن أجل أن تكون الأمة الإسلامية في سعادة، ومن أجل أن يعم الدين الكرة الأرضية بأكملها حتى يكون الدين كله لله.

يقول الله عز وجل:﴿وقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه4.

إن الدين نعمة إلهية عظيمة أغدقها الله تعالى علينا لنستفيد منها وننتفع بها، حيث يقول تعالى في الحديث القدسي: “يا بني آدم لم أخلقكم لأربح عليكم، ولكن لتربحوا عليّ”.

إن الجهاد هو طريقنا للاستفادة من هذه النعمة الإلهية العظيمة.. نعمة الإسلام وأحكامه التي تحقق لنا السعادة والربح في كل مجال.. في الدنيا والآخرة.

ونحن بحاجة إلى الجهاد لأن ضريبة تركه كبيرة وعواقب الاستهانة به خطيرة.

يقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم:”فمن ترك الجهاد ألبسه الله ذلاً في نفسه وفقراً في معيشته، ومحقاً في دينه“.

إذا تركنا الجهاد.. فلا نتوقع أن نجد طريقاً مفروشاً بالزهور والرياحين، وحياة الاطمئنان والسعادة، بل إننا سنجد الذلة، والفقر معاً.

ذلك لأن من يترك الجهاد يدعو عدوه للسيطرة عليه، وعلى مقدراته، وثرواته، واقتصاده، كما هو حاصل – فعلاً – في البلاد الإسلامية في وقتنا الراهن.

بينما كانت الأمة الإسلامية – أيام الفتوحات الإسلامية الأولى وحيث الجهاد والعلم – كانت أمة غنية، حتى صار المسلمون يكسرون الذهب بالفؤوس والمعاول، ولكنها حينما تركت الجهاد عادت إلى أحضان الفقر المدقع.

ثم إننا لو تركنا الجهاد، فلننتظر المحق في الدين.

أي فلننتظر ونتوقع أن يمنعونا من أداء فرائض الإسلام كالصلاة والصيام والخُمس والزكاة وغيرها.. تماماً كما فعلوها في الاتحاد السوفياتي وفي دول أوروبا الشرقية، حيث محق الإسلام.

وإن الظلم الذي يمارسه المستكبرون، ويفرضونه على المستضعفين هو أحد الأسباب التي تجعل الجهاد ضرورة ومسؤولية على عواتق الجميع.

يقول الله عز وجل:﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ5.

ويقول عز وجل:﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ6.

عندما يبعد الناس من بلادهم، وينفوا من مسقط رؤوسهم إلى أماكن أخرى حيث الغربة والمشاكل والآلام، عندها يصبح الجهاد ضرورة.

يقول الإمام الباقر عليه السلام:”… الجهاد الذي فضله الله على الأعمال، وفضل عامله على العمال تفضيلاً في الدرجات والمغفرة لأنه ظهر به الدين، وبه يدفع عن الدين، وبه اشترى الله المؤمنين بأنفسهم وأموالهم بالجنة بيعاً مفلحاً منجحاً اشترط عليهم فيه حفظ الحدود“.

إن حماية الدين وحفظه من أن تعطل أحكامه يدعونا إلى الجهاد… ولابد من الجهاد لتصحيح مسيرة البشر كلما زاغ أو انحرف وكلما عبد الناس بعضهم بعضاً وأطاعوا بعضهم بعضاً وتركوا طاعة الله تعالى وعبادته.
إن الجهاد بذلك ضرورة لأنه يصحح تفكيرهم، ويقوّم مسيرهم ليتحولوا من طاعة وعبادة بشر مثلهم كالحكام الطغاة إلى عبادة الله الملك القهار.

يقول الإمام الباقر عليه السلام:”وأول حدود الجهاد الدعاء إلى طاعة الله من طاعة العباد، وإلى عبادة الله من عبادة العباد، وإلى ولاية الله من ولاية العباد“.

إن العبادة – هنا – ليست بالسجود والركوع إنما هي بالإتباع لمنهج أولئك البشر وطريقهم دون طريق الله تعالى.

ومعنى ذلك أنه قد لا يركع ويصلي من يعبد الطاغوت، إنما كل من يسير على منهج الحكم الطاغوتي إنما يكون قد عبده.

ونجاهد.. لأن هذا هو الطريق لصلاح ديننا ودنيانا على السواء. فليس يصلح الدين – بالجهاد – فقط، وإنما حتى تصلح دنيانا، ونعيش التقدم والانتصار في كل مكان.

يقول الإمام علي عليه السلام:”إن الله فرض الجهاد وعظمه وجعله نصره وناصره والله ما صلح الدنيا ولا دين إلا به“.

وهكذا هي فوائد الجهاد، وأهدافنا المرجوة تحقيقها من خلاله.

وأما ما هي منطلقاتنا، فهي حسب ما يقوله الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام: “اللهم إنك تعلم أنه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان، ولا التماس شيء من فضول الحطام ولكن لنرد المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك فيؤمن المظلومين من عبادك، وتقام المعطلة من حدودك“.

وإذا لم نجاهد..، فلا ننتظر سوى أن يعطلوا حتى الصلاة وهي أبرز معالم الدين الإسلامي.

إن المنكر الذي يحكم في بلاد المسلمين، ويأمر به الطغاة ويعاقبون على تركه إن كل المنكرات التي تتزايد يوماً بعد آخر في بلادنا، وبإشراف الحكام الظلمة، وان كل الاعتداءات المستمرة على أمن الناس وأعراضهم وحقوقهم.. إن كل ذلك يشكل منطلقاً لجهاد المجاهدين.

يقول الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام:”أيها المؤمنون إنه من رأى عدواناً يعمل به ومنكراً يدعى إليه فأنكره بقلبه فقد سلم وبرئ، ومن أنكره بلسانه فقد أجر، وهو أفضل من صاحبه، ومن أنكره بالسيف لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الظالمين هي السفلى، فذلك الذي أصاب سبيل الهدى وقام على الطريق، ونوّر في قلبه اليقين“.

ومنطلق آخر توضحه الآية الكريمة التي تقول:﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾.

المصدر: كتاب افاق الجهاد الاسلامي، السيد محمد العلوي


المصادر والمراجع

1- النساء: 75.
2- البقرة: 251.
3- البقرة: 85.
4- الأنفال: 39.
5- الحج:39-40.
6- الحج: 40.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق