صفات المجاهدين وأخلاقهم

المقدمة

قد يظن البعض أن المجاهد إرهابي، قاتل خشن، لا يعرف إلا العنف، ولا يفقه إلا لغة الرصاص، ولا يعشق إلا لون الدم ورائحة البارود.

وهو يحب إشعال نيران الحروب، وهدفه التخريب وإلحاق الدمار بالبشرية، واختطاف الأبرياء، وهمه القتل والانتقام.
هكذا ترسم صورة المجاهد عندهم.. وهذه هي الألوان.. ولا شيء غير ذلك..

ونتساءل: أين صورة “المجاهد الرافض” لكل أشكال الظلم، والاستغلال، والاحتكار، والاستعباد؟
وأين صورة “المجاهد المحرر” الذي يعيش بين الفقراء وضد الفقر، ومع المحرومين وضد الحرمان، ومع الجماهير وضد الطغاة؟

وأين صورة “المجاهد العابد” الذي يقضي ليله بالصلوات والدعاء، ويقضي نهاره بالصوم وقراءة القرآن. وهو إذا أساء عليه أحد عفا عنه ودعا له، ويكتفي من دنياه بطمريه ومن طعامه بقرصيه؟
أين صورة “المجاهد الثائر على ذاته”؟ وأين..؟ وأين..؟.

كل هذه الزوايا منسية في رسم صورة المجاهد، لسبب بسيط، وهو أن البعض أخذ الصورة عن أجهزة الإعلام الاستكبارية التي رسمت صورة للمجاهد تشابه صورة القتلة والجناة والمجرمين.

وتلك هي مأساة المجاهدين.. مع الذين لم يفهموهم.

وقد يتساءلون: هل يعني هذا الكلام أن المجاهد: لا يحمل البندقية، ولا يتدرب على العنف، ولا يستخدم القوة؟

والجواب: كلا.

إن تدرب المجاهد على السلاح، وممارسته للشدة، والعنف أحياناً، ليس عملاً سلبياً إجرامياً، إنما هو ثورة إيجابية ونضال دائم من أجل رفع الحيف والظلم وتحرير الإنسان، ووضع الأغلال التي كبلته.

فهو يحمل البندقية.. ولكن ليس ضد الناس، وإنما لأجلهم.
وهو إرهابي.. ولكن ضد الباطل.
وهو قاتل.. ولكن لمن يتكبر، ويسلب حقوق الآخرين.
وهو إنسان مخرب.. ولكن مخرب لكل ما هو ضد الإنسانية وذلك لأنه ينشد الحضارة الإسلامية لتنعم الإنسانية بها.

من هنا، فإن المجاهد كما يحمل السلاح والمواد المتفجرة فإنه يحمل رسالات الله لإنقاذ العالم أيضاً.

ولهذا.. أصبحت ساحات الحرب للمجاهد أماكن مقدسة يتعبد فيها، وينطلق منها، ويعرج فيها إلى جنان الخلد.

ولقد قال سيد المجاهدين الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: “رهبانية أمتي الجهاد“.

ولذلك.. كانت البلدان التي تعيش الحيف والظلم والاضطهاد تحن إلى جيوش المسلمين، وتفرش – لهم – بالأزهار والرياحين.. حينما كانوا يأتونهم محررين.

ولكي لا يُظلم المجاهدون، لابد من التعرف عليهم، واكتشاف مواصفاتهم وأخلاقهم، وقبل ذكر هذه المواصفات والأخلاق، أعرض الملاحظات التالية

الأولى: إن المجاهد ينطلق في جهاده من الإيمان بالله وملائكته ورسله، وبالتالي فهو يحمل نفس صفات المؤمنين وأهدافهم الإيمانية.

فلأنه مؤمن.. فهو مجاهد.

الثانية: إذا كان الجهاد ذروة الإسلام وسنامه، فإن صفات المجاهدين أيضاً.. ذروة الصفات وأعلاها.
أي طالما يعتبر الجهاد القمة في العمل الإسلامي.. إذن فالمجاهد – لا شك – يكون في القمة، في أخلاقه ومواصفاته.

الثالثة: إن أهداف الجهاد تتجمع في ثلاثة محاور أساسية:

الأول: مواجهة الطغاة الذين أظهروا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن، واتخذوا مال الله دولاً وعباد الله خولاً، كما قال الإمام الحسين عليه السلام.

الثاني: إقامة حكم الله تعالى في الأرض.

يقول الإمام علي عليه السلام: “اللهم إنك تعلم أنه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان، ولا التماس شيء من فضول الحطام، ولكن لنرد المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك، فيأمن المظلومون من عبادك، وتقام المعطلة من حدودك“.

الثالث: إنقاذ الأمة من الجبت والطاغوت، وتحقيق قيم الحق والعدل والحرية في أصقاع العالم.

ومن هنا.. فإن المجاهد الذي يريد مواجهة الطاغوت، وإقامة حكم الله في الأرض، وإنقاذ الأمة والبشرية جمعاء، إنما صفاته مستوحاة من هذه المحاور الجهادية، وليس بمجاهد من لم تنصبغ شخصيته بهذه الصبغة.

وليس من الصحيح أن يكون منقذ الأمة وحامل الرسالة إنساناً خالياً من صفات العظماء والأنبياء.. فالمجاهد إنسان رسالي وثائر مناقبي قبل أن يكون مقاتلاً عادياً، لا يعرف غير حمل السلاح، وإطلاق النار.

ولذلك.. فإن صفات المجاهدين تندرج في الأبعاد التالية:

البعد الاول: الإيـمان

إن الإنسان المجاهد إنما هو إنسان مؤمن، ولهذا فإن صفات المؤمنين، إنما هي صفات المجاهدين، ولنتعرف على هذه الصفات عبر تصفحنا لآيات الله.

1- يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ1

إن هذه الآية الكريمة تبين لنا بعض الصفات الإيمانية، والتي هي صفات المجاهدين:
أ- عدم الخوف من الناس، بل وازدياد الإيمان في كافة المحن والمشاكل.
ب- اتباع رضوان الله.

يقول سيد المجاهدين والشهداء الإمام الحسين عليه السلام في يوم عاشوراء، وهو صريع على الأرض “إن كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى“.

فالمجاهد لا يبحث عن المكاسب والطموحات الشخصية، إنما يعمل من أجل تحقيق رضوان الله تعالى فقط.

2- ومن صفات المجاهدين الصبر، حيث يقول الله عز وجل:﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ2.

3- ومن صفاتهم العمل في سبيل الله، والإيمان بالآخرة.
يقول الله عز وجل: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ3.

4- ويمتازون بوضوح الرؤية عندهم، وتوكلهم على الله بصورة دائمة.
يقول الله عز وجل معبراً عنهم: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ4.

5- ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا5.
إن الصفة الأساسية لدى الإنسان المجاهد هي التسليم لله سبحانه وتعالى وعدم الاكتراث بما سيحدث طالما كان ذلك بيد الله عز وجل.

6- ومن صفات المجاهدين: السكينة.
فالسكينة حالة متقدمة على التسليم، فالتسليم أن تسلم أمرك لله، وتقول: ﴿إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾ دون أن تستطيع مواجهة شيء، بينما السكينة تزيد عن التسليم بالرضا وتحقيق الاطمئنان القلبي.

يقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا6.

ويقول تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ7.

7- وتتجلى صفات المجاهدين الإيمانية أكثر حينما يقول الله عز وجل: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ8.

بناءً على هذه الآية المباركة فالمجاهد يمتلك الصفات التالية
أ- المجاهد إنسان رباني، ويعني أنه من الحواريين.

يقول الإمام علي عليه السلام: “الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصة أوليائه“.
وإن خاصة أولياء الله هم الربانيون.

ب- عدم الانهيار والاستسلام.
فالمجاهد لا يعرف معنى للضعف والاستكانة في نفسه، بل هو ثابت لا يتزحزح، ومن ثم فهو لا يمكن أن ينهار أو يستسلم.

البعد الثاني: العـلاقـة مـع الله عـز وجـل

إن من يكون قوياً في علاقته مع الله تعالى يكون قوياً في ساحة الحرب أيضاً.

والنبي والأئمة الأطهار عليهم السلام خير مثال على ذلك:لقد كانت علاقة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم مع الله علاقة متينة حيث كان يجهد نفسه في العبادة حتى نزلت هذه الآية المباركة: ﴿طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾.

والإمام علي عليه السلام كان كذلك أيضاً.

ذات مرة، ولما انتهت المعركة، رجع الإمام علي عليه السلام والسهم نابت في رجله، ولما جيء له بالجرّاح، ما استطاع الأخير أن يستخرج السهم من رجل الإمام لشدة الألم، فالتفت الإمام الحسن عليه السلام إلى الجرّاح، وطلب منه أن يدع الإمام إلى حين أدائه لفريضة الصلاة.

وانتظر الجرّاح حتى قام الإمام علي عليه السلام للصلاة، وحينها أجرى له العملية، واستطاع أن يسحب السهم دون أن يشعر الإمام علي بذلك.

هكذا كان خشوع الإمام في الصلاة، وعلاقته بربه، حتى ينسى ألمه.. ولذلك كان بطلاً في ساحة المعركة.

وتروي الأحاديث أن الإمام الحسن عليه السلام كان يتغير لونه كلما كان يذهب لكي يتوضأ.

وهكذا كان جميع الأئمة الأطهار عليهم السلام، فهذا الإمام زين العابدين كان يزحف زحفاً إلى فراشه من كثرة العبادة وتورم قدميه وركبتيه.

وفي خطبة للإمام علي عليه السلام يصف فيها المتقين والذين يتطابقون في الصفات مع المجاهدين، فيقول فيها: “أما الليل فصافون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن يرتلونها ترتيلاً، يحزنون به أنفسهم ويستثيرون به دواء دائهم، فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعاً، وتطلعت نفوسهم إليها شوقاً، وظنوا أنها نصب أعينهم. وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مع مسامع قلوبهم، وظنوا أن زفير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم، فهم حانون على أوساطهم مفترشون لجباههم، وأكفهم وركبهم، وأطراف أقدامهم، يطلبون إلى الله تعالى في فكاك رقابهم“.

البعد الثالث: إرهاب الطاغوت، والشدة في القتال ضده

ولابد أن يكون المجاهد عنيفاً في مواجهة الطاغوت بمقدار ما يكون رحيماً على إخوانه المؤمنين…

يقول الله عز وجل: ﴿أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ9.

ويقول عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ10.

ويقول تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ11.

ويقول تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ12.

أجل.. إن كل صفات الشدة مطلوبة في التعامل مع الطاغوت كما ويجب أن لا يتأثر بحملات الإعلام المضادة التي ترسم المجاهدين بالإرهابيين، فالمجاهد إرهابي.. ولكن ضد الباطل.

البعد الرابع: الرحمة بالأمة، والإحساس بآلامها

لقد ذكرنا أن من الأسباب الدافعة للجهاد هو إنقاذ الأمة وتحريرها، لذلك فالمجاهد يعمل – دائماً – من أجل أن يكون ضمير الأمة، فيتحسس آلامها، ويشعر بحبها، ويموت دونها.

فلا يعتقد البعض أن ذلك الإنسان المجاهد والإرهابي العنيف مع الطاغوت، هو أيضاً كذلك مع الأمة، فإن هذا الخلط في المفاهيم يهدف إبعاد الناس عن المجاهدين.

ولأن الطاغوت يخشى المجاهدين، فهو يحاول أن يخوّف الناس منهم حتى يستطيع أن يضمهم إلى جنبه ضد كل من يقاوم سلطانه الجائر.

يذكر التاريخ: أن أحد أبناء الأئمة الأطهار كان خارجاً من بيته، وإذا به يرى امرأة تفتش في القمامة عن فضلات الطعام. فأثار انتباهه ذلك المنظر فقال لها:
– يا أمة الله. ماذا تفعلين؟
قالت:
منذ ثلاثة أيام لم نأكل.. وإنما آخذ هذا لعيالي.
فقال لها:
أنت ستريقين دمي..
أي من أجلها سيذهب لمقاتلة الظالمين، ومن ثم يراق دمه ويستشهد.

ولنا في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسوة حسنة، في عكس هذه الصفات عن المجاهدين: فلقد أُوذي في أمته أكثر مما أُوذي أي نبي، لكنه كان يدعوا الله ويقول: “اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون“…

وتحمل الكثير في مسيرته من البداية.. وحتى النهاية. فعندما جاء ملك الموت وأراد أن يقبض روحه.. سأله قائلاً:
– أهكذا تقبض أرواح أمتي؟
قال:
– وأشد من ذلك.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: شدّد عليّ وخفف على أمتي.

وهكذا.. بدأ حياته بالمعاناة، وأنهاها بالمعاناة من أجل الأمة. وكذلك كان الإمام علي عليه السلام.. لقد كان يحمل الجراب على ظهره، ويندفع في ظلام الليل البهيم، وهو يفتش عن الجوعى والمحرومين، لكيّ يطعمهم ويكسيهم.

وفي ليلة باردة – شديدة البرد – خرج في جولته التفقدية كعادته في كل ليلة، فوصل إلى خيمة.. سمع منها أنين أطفال وبكاء أم..
اقترب من الخيمة، وسأل المرأة:
– ما بال الأطفال يبكون؟
قالت:
– أضرّ بهم البرد، والجوع..
لفت نظر الإمام نار مشتعلة، وعليها القدر فسأل المرأة:
– وماذا في القدر..؟
أجابت:
– ماء.. لا شيء غير الماء.. أخدعهم به حتى يناموا..
آه.. كم كان موجعاً للإمام أن يرى أطفالاً يبكون وأم تحتال لجوعهم هكذا بطبخ الماء في القدر؟
أسرع هو، وخادمه قنبر إلى البيت. حمل جراباً من الطحين وشيئاً من الدهن.. وعاد.

في الطريق حاول قنبر أن يحمل الجراب عنه.. ولكنه أبى.. إنه صاحب العيال.. الشعب كله عياله، وكما قال، إن صاحب العيال أحق بحمل الزاد إلى عياله.. دخل الكوخ.. طلب من الأم أن تسكّت الأطفال، بينما أخذ هو يصنع الخبز.. وبعد لحظات كان كل شيء جاهزاً.. جمع الأطفال حوله، وبكل لطف بدأ يضع في أفواههم اللقمة تلو الأخرى.. والأم تنظر إلى هذا القادم المجهول الذي يلاطف أبناءها اليتامى من دون أن تعرف من هو؟
لماذا هكذا يفعل بالأطفال؟
من تراه يمكن أن يكون؟
الإمام يلقم الأطفال، لقمة لهذا ولقمة لذاك، وهو يقول:
– اغفر لعلي بن أبي طالب..
وبعد أن شبعوا جميعاً، بدأ يلاطفهم.. يتصابى معهم.. فكانوا يضحكون من ذلك.
ثم خرج..
قال له قنبر:
– يا مولاي.. لقد رأيت منك الليلة، أنك أطعمت الجوعى وهذا دأبك.. ولكن لم أفهم معنى تصابيك معهم؟
فأجابه الإمام:
– لقد دخلنا الكوخ، والأطفال جياع يبكون.. فأردت أن نخرج وهم شبعى يضحكون.

إذن هكذا كان الأئمة عليهم السلام أبطالاً في ميادين الحرب، وعنيفين ضد الباطل، ولكنهم في نفس الوقت كانوا عطفاء رحماء. وكذلك أيضاً كل المجاهدين الحقيقيين.

فالمجاهد يعمل من أجل إنقاذ الأمة.. ويضطر للهجرة والعيش في بلاد الغربة.. ويتحمل التعذيب في السجون والمعتقلات.

ولربما يسجن مدى الحياة أو تقطع أعضاؤه، أو يقتل ويقدم نفسه وحياته قرباناً من أجل الله والأمة.

وليست التضحية هي السمة الوحيدة في المجاهدين. وإنما هنالك: الأخلاق أيضاً.

فما هي أخلاق المجاهدين؟

بعد أن انتهت معركة أحد، وجاء المسلمون لحمل شهدائهم وجرحاهم من أرض المعركة.. كان هناك عشرة جرحى أصيبوا بجراح خطيرة، فسالت منهم الدماء، وبلغ بهم العطش مبلغه.

جاؤوا لهم بالماء ليسقوهم.. وبدؤوا بأحدهم، وقدّموا له الإناء، لكنه رفض أن يشرب قبل الآخرين.

ذهبوا للثاني وقدموا له الماء.. فرفض – أيضاً – أن يشرب، وأشار لهم بأن يسقوا اخوته الآخرين.

ذهبوا للثالث، فرفض الآخر أن يشرب الماء.

وهكذا.. كان كل واحد يأبى أن يشرب، ويرسلهم إلى الآخر، حتى وصلوا إلى عاشرهم، وكان كذلك.

رجعوا إلى الأول من جديد، فوجدوه قد فارق الحياة، وعادوا إلى الثاني، فكان هو الآخر قد استشهد.

وهكذا كان حال البقية، حيث وجدوهم قد لفظوا أنفاسهم الأخيرة على عطشهم.

لقد استشهدوا جميعاً دون أن يذوقوا الماء، كل منهم كان يؤثر أصحابه على نفسه.

تلك هي أخلاق المجاهدين مع بعضهم، فما هي أخلاقهم مع العدو؟

في أول مجابهة بين الإمام الحسين عليه السلام وبين طلائع قوة العدو التي كانت تتدفق من الكوفة لقتاله، حصل الإمام على فرصة ذهبية للقضاء عليها، أو.. – على الأقل – إجبارها على التسليم أو الفرار.

فالجيش المعادي كان متعباً قد أنهكه الطريق كما أنهكه العطش. ومعروف أن الجيش المحارب يفتش عادة عن طريقة يقطع بها خطوط التموين عن العدو، لأن الجوع والعطش ينهكان الجيش أكثر مما ينهكه الحديد والنار، فالحديد والنار يمكن مقابلتهما بالحديد والنار، ولكن بماذا يمكن مقابلة الجوع والعطش؟.

وقد حصل الإمام على فرصة ممتازة لممارسة هذا الأمر مع عدوه، عندما جابهته قوة قوامها ألف جندي بقيادة الحر بن يزيد الرياحي، وكانت أول مجابهة بينه وبين أهل الكوفة.

وكان العدو يعاني من عطش حاد، وتعب شديد إذ إنه قضى أياماً صعبة في الصحراء، وفي فصل الصيف، حتى قطع المسافة بين الكوفة والغاضريات.

وعندما التقى بقوة دفاع الإمام، كانت آثار الإنهاك والعطش بادية في وجوه كل أفراد العدو.. بينما كانت قوة الإمام الحسين في أوج نشاطها، كما أنها كانت تحمل كميات من الماء تكفيها ليوم وبعض يوم.

فما كان من الإمام العظيم، إلا أن أمر جيشه أن يسقوا رجال قوة العدو واحداً واحداً.

ليس هذا فحسب، وإنما أمرهم أن يقوموا بسقي دوابهم أيضاً..

ويذكر التاريخ أن الإمام الحسين عليه السلام قام بنفسه بإرواء عدوه بيديه الكريمتين، وكان ينادي برجاله: “اسقوا القوم وارووهم من الماء ورشّفوا الخيل ترشيفاً“.

وبهذا العمل الإنساني بدأ مجابهته مع عدوه، وأراد أن يكون العطاء منه رغم أن عدوه رد هذا العطاء بمنع الماء عنه يوم الحرب وقبله، وترك بعض أطفاله ونسائه يموتون من شدة العطش على رمال الأرض المتوهجة.

إذن هذه هي صفات المجاهدين، وهكذا يتعاملون مع عدوهم الذي أراد إقامة الباطل ودحض الحق، وهكذا هي أخلاقهم.

وبقيت ملاحظة لابد من قولها: إن تشوش الرؤية عن المجاهدين عند البعض، إنما جاء لتلقيهم هذه الرؤية عن طريق عدو المجاهدين، الذي يتربص بهم الدوائر، ولكي نعرف الوجه الحقيقي للمجاهدين، علينا أن نقترب منهم، ونسمع منهم أهدافهم ومقاصدهم، وسنجد أنها متطابقة مع ما يذكره القرآن الكريم عنهم، وحينها يجب علينا دعمهم وتأييدهم، وعدم السماع لعدوهم فيهم.
 

المصدر: كتاب افاق الجهاد الاسلامي، السيد محمد العلوي


المصادر والمراجع

  1. آل عمران: 173-174.
  2. الأنفال: 65.
  3. النساء: 74.
  4. التوبة: 51.
  5. الأحزاب: 22.
  6. الفتح: 4.
  7. الرعد: 28.
  8. آل عمران: 146.
  9. الفتح: 29.
  10. الأنفال: 45.
  11. الأنفال: 60.
  12. محمد: 4.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى