الأمة المجاهدة

بسم الله الرحمن الرحيم: “من محمد رسول الله عبده ورسوله إلى هرقل عظيم الروم..سلام على من اتبع الهدى.. أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام.. أسلم تسلم!”

بسم الله الرحمن الرحيم: “من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس.. سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله إلى الناس كافة ﴿لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾1.. فأسلم تسلم!”.

بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد عبد الله ورسوله إلى عظيم القبط! ومن محمد رسول الله إلى عظيم الحبشة! ومن محمد رسول الله إلى يهود خيبر! ومن محمد رسول الله إلى المقوقس عظيم مصر!

أسلم… تسلم!.
كان الفرسان وبكل عزّة وشموخ يدخلون على عظماء الملوك في الأرض، وهم يحملون رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إليهم: أسلم… تسلم!

وكانت الآية الكريمة التالية هي المنطلق لدعوة أكثرهم:﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ2.

وهكذا.. تحول الحفاة الفقراء، والمستضعفون الذين كانوا يقتاتون القدّ والورق، إلى رسل الحضارة الإسلامية إلى العالم.

وأصبحت مكة.. تلك القرية المنسية في العالم إلى رائدة الحضارة، وعاصمة لحركة التحرر من كل أصقاع العالم.

وامتدت الثورة الإسلامية وحضارتها الفتية تطهر الأرض، وتفتح البلاد وتدك الحصون والقلاع، وتزلزل عروش الجبابرة، وما يسمّون اليوم بالقوى العظمى الحاكمة على النظام الدولي.

وامتدت دولة الإسلام ـ في ظرف يقل عن مائة عام ـ من سيبيريا شمالاً إلى المحيط الهندي جنوباً، ومن الصين شرقاً إلى قلب فرنسا غرباً.

وامتد الإسلام… وامتد!

وتحول المسلمون إلى قادة، وإلى قوة تهدد كيان الأنظمة الفاسدة.. بعد أن رفضوا حياة الذل والاستعباد، وأصبحوا الأمة المتماسكة، التي ارتشفت روح الإباء والعزة من الإسلام.

لقد كانت الأمة الإسلامية أمة عزيزة لا ترضى بالذل والهوان. حيث أنزل الله تعالى آياته فيها:﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ3.

ويقول تعالى: ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ4.

ويقول عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ5.

والآن دعنا نتساءل: كيف نحن اليوم؟ هل لازلنا تلك الأمة الرائدة؟ هل نشعر بالعزة والكرامة؟ كيف هي بلادنا وأوضاعنا؟ هل نحن نحكمها ونتصرف في شؤونها؟ أمة عزيزة تقود الأمم؟ ومصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ6.

في صدر الإسلام وبالتحديد في السابع للسنة الثانية للهجرة، خاض المسلمون معركة بدر الكبرى مع المشركين، وكان عدد المسلمين حينذاك ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، وعدد المشركين تسعمائة وخمسين رجلاً، ولم يمتلك المسلمون حينها إلا فَرَسان وستة دروع ومع ذلك انتصر المسلمون على المشركين انتصاراً ساحقاً.

ولقد خاض المسلمون، الذين يُقارب عددهم ملياري مسلم، معركة مع الصهاينة الذين لا يزيد عددهم عن ثلاثة ملايين إنسان في أرض فلسطين.

ومع ذلك تجرع المسلمون الهزيمة بعد الهزيمة.

ترى.. ما هي المعادلة التي أدت لانتصار المسلمين في الحالة الأولى.

وما هي المعادلة التي أدت لانهزامهم في الحالة الثانية؟

والجواب: حينما غابت فريضة الجهاد عنا كأمة، وأصبحنا الأمة الهاجعة، التي تخاف من ظل السلاح، وشكل الرماح، وطعم الحرب!

وحينما انسحبنا من ساحة الصراع الحضاري، وتركنا العدو ينهال علينا كما تنهال الأكلة على القصعة!

وحينما وضعنا سيوف الآباء والجدود، ودروعهم في متاحفنا، وجلسنا نتسلى بسرد قصصهم وبطولاتهم التي صنعوها في ملاحم الشرف والعزة والكرامة!

وحينما تحولت ثورة كربلاء، وكفاح الإمام الحسين عليه السلام وتضحيات أهل بيته وأصحابه، إلى مجرد مأساة للبكاء والعزاء وفقط. وكأنما لم يقل الإمام عليه السلام: الحسين قتيل العَبرة والعِبرة.

وحينما أضحت آيات الجهاد وأحكامه عندنا موضع التبرير، والتملص، والتفسير الخاطئ. حينها تغيرت المعادلة، وأصبح المنتصرون منهزمين.

يقول الإمام علي عليه السلام: “أما بعد فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، فتحه الله لخاصة أوليائه، وهو لباس التقوى، ودرع الله الحصينة، وجنته الوثيقة.. فمن تركه رغبة منه ألبسه الله ثوب الذل، وشمله البلاء، وديث بالصغار والقماءة (الذل) وضرب على قلبه بالإسهاب (ذهاب العقل وكثرة الكلام) وأديل الحق منه بتضييع الجهاد وسيم الخسف ومنع النصف(العدل)“.

وبالطبع ـ وهذا رأي يشاطرني فيه كثير من المسلمين ـ لا أحد يستطيع القول بأن الأمة الإسلامية اليوم أمة عزيزة، منسلخة عن ثوب الذل، أو لم يشملها البلاء ولم تديث بالصغار والقماءة!
وهي الحقيقة المرة التي نصبح عليها كل يوم، حينما نسمع باعتراف الحكومات العربية بإسرائيل وتقديم التنازل لها.

وما هذه إلا صورة واحدة من صور الذل والهزيمة التي تعيشها الأمة الإسلامية بعد غياب فريضة الجهاد!

ولكي تعود العزة والكرامة لأمتنا، لابد أن تعود الفريضة الغائبة للأمة وأن تصبح أمة مجاهدة، كما كانت يوم استسلم لها الجبابرة، وخضع لها الملوك ودانت لها الأرضون.

لابد أن تعود الأمة كلها إلى الوضع الصحيح، حيث كان الرجل الطاعن بالسن، والشاب اليافع في عمر الزهور، والمرأة وكل يؤدي دوره في فريضة الجهاد.

لقد كانت الأمة مجاهدة، آخذة استعداداتها للحرب بصورة دائمة معدة لها عدتها، معبئة طاقاتها وإمكاناتها من أجلها، لأنها كانت تعمل بالدين كله، تطبق الأصول بتفاعل مع الفروع، الفروع لدعم الأصول.

إذ أن أصول الدين الخمسة كلها تصب في قناة الجهاد، وتدفع المسلمين لترجمتها إلى واقع جهادي ضمن تركيبة الأمة المجاهدة.

أصل (التوحيد) يعني الإيمان بالله الواحد ورفض كل الطغاة والأصنام التي تعبد من دون الله.

وكلمة: لا إله إلا الله، منطلق للعمل والجهاد، و(العدل) رمز لرفض الظلم ومقاومة الظالمين، داخل الأمة أم خارجها.

و(النبوة) و(الإمامة) تعني الخضوع للقيادة الواحدة التي تعبئ الأمة نحو الجهاد، والأولويات في التحرك العام، والرفض المطلق لأي قيادة ضالة، ومنحرفة ومن ثم إعلان الثورة عليها.

وهكذا كان الأصل الخامس وهو (المعاد) أي العودة إلى الله ـ سبحانه وتعالى ـ يوم القيامة، يعني نبذ هذه الدنيا، ومجاهدة النفس فيها والعمل الصالح من أجل الله واليوم الآخر.

هذا بالنسبة إلى أصول الدين، وأما فروع الدين فإن نصفها يعتبر مواجهة جهادية شاملة حيث: الجهاد والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتولي لأولياء الله، والتبري من أعداء الله.

والنصف الآخر، وهو الصلاة، والصوم، والزكاة، والحج، والخمس، فيعتبر المرحلة الإعدادية التي تسبق المواجهة، وتمهيد الطريق للجهاد.

أليست الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر؟ أليس الصوم عملية عبادية وتربوية تصنع ذلك الإنسان الصامد والقوي الذي لا تزلزله العواصف، ولا ينهزم في المعارك؟

وهكذا هي فروع الدين الأخرى كالحج والخمس والزكاة، تعطي نفس النتائج والمعطيات لجعل الأمة الإسلامية أمة مجاهدة.

هنا ينبري سؤال يقول: إذا كان الجهاد، هو المعادلة الضائعة من الأمة، ومن ثم هو السبب في فقدان عزتها وكرامتها.

ترى: من غيّب فريضة الجهاد عنا؟ والجواب: اثنان!

الأول: نحن! والثاني: العدو!

إن هزيمة الأمة الإسلامية لم تأت بصورة عفوية ولأسباب خارجة عن إرادتها إنما هنالك أسباب واقعية دفعت الأمة لأن تعيش حالة من الاستسلام منها:
1- التواني عن الجهاد، وإخلاء الساحة لجيوش الأعداء.
2- التواكل والتخاذل.
3- عدم تحمل المسؤولية.
4- حالة الترهل والكسل.
5- حب الدنيا ومتاعها، والركون إلى الراحة والدعة.

وبصورة مختصرة، لقد تغلبت موانع الجهاد على دوافعه، فقعدت بالأمة عنه أننا نقرأ في تاريخنا الإسلامي: حينما ورد خبر غزو مدينة الأنبار في العراق من قبل بعض فرق معاوية، وقد حاول أحد الغازين، أن يسلب من إحدى النساء الذميات قرطها.

حينما وصل هذا النبأ إلى أسماع الإمام علي عليه السلام خرج غاضباً ووقف خطيباً وقال: “ألا وإني دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلاً ونهاراً، وسراً وإعلاناً، وقلت لكم: أغزوهم قبل أن يغزوكم، فوالله ما غزي قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا“.

ويبيّن الإمام لهم أسباب الهزيمة فيقول: “فتواكلتم وتخاذلتم حتى شنت عليكم الغارات وملكت عليكم الأوطان، وهذا أخو غامد وقد وردت خيله الأنبار، وقد قتل حسان البكري وأزال خيلكم عن مسالحها، ولقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة،فينتزع حجلها وقلبها، وقلائدها ورعثها ما تمتنع منه إلا بالاسترجاع والاسترحام،ثم انصرفوا وافرين ما نال رجلاً منهم كلم، ولا أريق لهم دم، فلو أن امرأً مسلماً مات منبعد هذا أسفاً ما كان به ملوماً، بل كان عندي جديراً.

فيا عجباً! عجباً ـ والله ـ يميت القلب ويجلب الهم من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم، وتفرقكم عن حقكم! فقبحاً لكم وترحاً، حين صرتم غرضاً يرمى: يغار عليكم ولا تغيرون، وتُغزون ولا تغزون، ويُعصى الله وترضون!

فإذا أمرتكم بالسير إليهم في أيام الحر قلتم: هذه حمارة القيظ أمهلنا يسبخ عنا الحر، وإذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء قلتم: هذه صبارة القر، أمهلنا ينسلخ عنا البرد، كل هذا فراراً من الحر والقر، فإذا كنتم من الحر والقر تفرون، فأنتم والله من السيف أفر!
“.

ترى لو كان الإمام علي عليه السلام حاضراً الآن ـ فيما بيننا ـ ماذا عساه أن يقول لنا ونحن على هذه الحالة؟ أعتقد أنه سيتأفف منا ومن حالتنا.

هذا عن العامل الأول في تغييب فريضة الجهاد وأما العامل الثاني: فالعدو لا يهدأ له باله، ولا يركن إلى حال، طالما هنالك رجال يقضون مضاجعه، ويلهبون الأرض تحت أقدامه.

وقصص التاريخ حافلة بالكثير من المواقف التي تحكي صمود الشعوب المحتلة، ومقاومتهم للقوات الغازية، مثل ثورة العشرين في العراق وثورة التنباك في إيران، وحرب فيتنام، والغزو الصهيوني للبنان ودخول القوات الأمريكية والأجنبية الأخرى هناك.

فالجميع يعرف كيف كانت هذه القوات الغازية قوية. ثم لملمت حقائبها وقفلت راجعة إلى حيث أتت، وهي تجر أذيال الهزيمة النكراء منكسة رؤوسها ذليلة.

ولقد قال قائد الحملة الاستعمارية البريطانية على إيران، حينما قفل راجعاً: “أبداً.. لن تستطيع القافلة أن تحط هنا!.. كيف ولماذا؟.. لست أدري.. بيد أن الرمل الذي تحت أقدامنا أصبح شوكاً.. والجليد تحول جمراً والصخور غدت سوراً ضخماً عملاقاً أمام خطوات القافلة.. لذلك فنحن لا نستطيع أن نحط هنا”.

ألم يحن الوقت لنجعل كل القوات الاستعمارية ترحل عن البلاد الإسلامية وتقول كما قالت القافلة الاستعمارية البريطانية عندما جلت عن إيران؟!

بالطبع ان الاستعمار السياسي والعسكري سيظل باقياً في بلادنا ما لم تتحول الأمة عن وضعها المعاش. وتتشبث بالمعادلة المفقودة.

وسنظل كما نحن عليه اليوم من التمزق وغياب الحضارة الإسلامية ما لم تتحول الأمة إلى أمة مجاهدة.

لقد استخدم العدو كل الوسائل، وعمل على كل الجبهات السياسية، والاقتصادية والعسكرية من أجل سرقة الفريضة الجهادية وأبعادها عنا، وبالتالي تدجين الأمة واستسلامها الكامل لقوته وبطشه.

ولنرى ما الذي عمله العدو اتجاه الأمة في كل صعيد
أولاً: على الصعيد السياسي قام بشن هجمة إعلامية كبيرة ضد الجهاد والمجاهدين واستخدم لذلك جيوشاً جرارة من الإعلاميين والصحفيين، وبأحدث وسائل الإعلام وأجهزته الحديثة والمتطورة، وكانت خطته ترمي ما يلي:

1- خلق حالة نفسية مضادة للعمل الجهادي. وذلك بوصف المجاهدين والعمليات الجهادية بالإرهاب!
ولقد تعالت أبواق الإذاعات المأجورة تتجاوب مع حملات الغرب العدائية في تسمية الجهاد بالتطرف الديني.. ومن أجل ذلك عُقدت المؤتمرات العالمية في عواصم العالم وبحثت مسألة الإرهاب، والإرهابيين، وأصدروا القرارات الظالمة بحق الشعوب الإسلامية، وأصبح الإنسان المسلم المسافر إلى بلدانهم موضع الشك والريبة.
وحقيقة الأمر.. ان كل هذه الإجراءات يُهدف منها تدجين الأمة وإعادة المارد الإسلامي بعد أن خرج من قمقمه تواً.

2- مدح المعتدلين والاعتدال.. وتقريبهم والتعامل معهم، وتسهيل الأمور لهم، وإعطاؤهم كافة التسهيلات والصلاحيات. حتى لا يوجد هنالك مجال للمتطرفين حسب زعمهم.
ويعمل الأعداء على مدح المعتدلين من الشخصيات المسؤولة والبارزة في الحكومات وفي أواسط الأمة، كما ويتم إعطاء المعتدلين أوراق النجاح لحل بعض القضايا السياسية والمشاكل العالقة في البلاد، وذلك من أجل دعمهم وتقويتهم، ومن ثم كسب الرأي العام الجماهيري لصالحهم.
وبهذا تتم عملية غسيل الدماغ لأبناء المجتمع الإسلامي، فيصدق البعض ذلك ومن ثم يبتعدون عن الجهاد، الذي أسماه الأعداء بالإرهاب ـ وفي الواقع ـ إن ابتعادهم هذا يكون ابتعاداً عن الدين، ولكن باسم آخر.

3- صنع هوة كبيرة بين الأمة، وبين أبنائها المجاهدين. عن طريق تحريف أهداف العمل الجهادي، وإظهاره للناس بأنه إرهاب ضدهم. ومن ثم يكون المجاهدين بمعزل عن دعم الناس وإيوائهم.
وبهذا يسهل اصطياد كل العاملين، وإيداعهم في غياهب السجون، وقتلهم وإعدامهم على أعواد المشانق.

4- صناعة أجواء صبغتها صبغة سلمية تطالب بإحلال السلام الدولي!
وتجد عملاءهم في أمتنا ـ يضعون أنفسهم كقادة للمسلمين، وحاملين للواء الإسلام، يتشدقون بالآية الكريمة: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾!7

5- إنشاء المذاهب السياسية المزيفة، لتمزيق الصف الإسلامي.
لقد أنشأ البريطانيون المذهب (القادياني) في شبه القارة الهندية، وكانوا يهدفون منه تمزيق الأمة وإبعادها عن الجهاد، لأن هذا المذهب يحرم الجهاد!
وكذلك صنع الأمريكان في إيران المذهب (البهائي) لنفس الغرض، فالبهائية المشبوهة تحرم الجهاد أيضاً!
وهكذا.. فهم يعملون لخلع وتحطيم أنياب الأمة الإسلامية لتصبح وديعة كالأرنب لا تستطيع مقاومتهم.

6- عزل السلاح عن الناس، وحصره في السلطات الحاكمة. وإنزال أشد العقوبات لمن يحمل السلاح أو يتدرب عليه.
بل وحتى رسم السلاح على الورق ـ أصبح في بلادنا ـ أمراً ممنوعاً، ولا يحق لأحد أن يفكر ـ مجرد تفكير ـ في نية التسلح فكيف باقتناء السلاح؟
بينما تجد الإسلام يؤكد وبشدة على ضرورة حمل السلاح، ويبين فوائده.
يقول الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم:”الخير كله في السيف، وتحت ظل السيف ولا يقيم الناس إلا السيف، والسيوف مقاليد الجنة والنار”.
ويقول الإمام الصادق عليه السلام: “إن الله عز وجل بعث رسوله بالإسلام إلى الناس عشر سنين فأبوا أن يقبلوا حتى أمره بالقتال، فالخير في السيف وتحت السيف، والأمر يعود كما بدأ“.

7- صناعة الأحزاب ذات الوجه الثوري، والباطن الاستعماري، وبأسماء مختلفة، مرة باسم القومية وثانية باسم الاشتراكية، وأخرى باسم الشيوعية.
ويهدفون من وراء ذلك استقطاب طاقات الشباب وصبها في القناة غير الصحيحة واللامشروعة.

ثانياً: وأما على الصعيد الاقتصادي فقد قام المستعمر بتهديد الدول ـ التي يفترض أن تكون حامية لحركات التحرر ـ بالمقاطعة الاقتصادية بحجة إيوائهم للإرهابيين.
والعمل القائم ـ على تطبيق المقاطعة الاقتصادية ـ على قدم وساق.

ثالثاً: على الصعيد العسكري حيث يقوم الأعداء باستخدام القوة في ضرب كل المجاهدين، وفرض حكم الإعدام بحق من ينوي منهم القيام بأي عمل جهادي.
واستخدموا القوة العسكرية هنا وهناك، كما فعل الأمريكيون في نيكاراغوا وفي فيتنام بالنسبة لغير المسلمين، وفي لبنان وإيران وليبيا وسائر البلاد الإسلامية بالنسبة للمسلمين.
إنهم يمارسون ذلك بحجة القضاء على الإرهاب، وفي نفس الوقت فإنهم يستخدمون أبشع أنواع الإرهاب بحق الشعوب المستضعفة. أنهم أشبه بعاهرة تلقي محاضرة في العفة والشرف!
كيف يمكن للإرهابيين أن يتحدثوا عن الإرهاب ومواجهته.

أليس ذلك نوع من السخافة والضحك على الذقون؟

لقد كان الهولنديون المستعمرون للأراضي الإندونيسية يمارسون إرهاباً دموياً بحق الشعب الإندونيسي، حيث كانوا يأمرون العمال ـ من أبناء البلاد ـ أن يأتوا بأكفانهم إلى العمل. لأن احتمال أن يموت العامل أثناء عمله احتمال كبير جداً وبنسبة أكبر من 70%!!

ولقد دفع الشعب الجزائري المسلم مليوني شهيد ضحايا الاستعمار الفرنسي الرهيب.

كذلك هي إيطاليا حينما استعمرت ليبيا، وبريطانيا حينما غزت الخليج والعراق والمناطق الأخرى من الدول الإسلامية الكبرى.

لقد أنزلوا بنا أشد ألوان العذاب، وأذاقونا طعم المنون، وسلطوا علينا جلاديهم ليحكموا باسم الشعب والوطن!

كل ذلك ليس إرهاباً! ولكن الإرهاب هو أن يدافع الإنسان عن نفسه وعرضه ووطنه، كما في القاموس السياسي الجديد!

إذن.. العدو يهدف الى السيطرة على الأمة الإسلامية، ويستخدم كافة الطرق والوسائل، في سبيل تدجينها، وتغييب فريضة الجهاد عنها. ولكن.. هل يرضى أبناء الأمة الإسلامية بأمر الواقع؟ ويستسلموا له؟

في هذا العصر ـ عصر الصحوة الإسلامية ـ لابد من استثمار الفرصة قبل أن تجر أذيالها عنا.

لابد.. من عودة الأمة الإسلامية إلى أحضان العزة والكرامة، وبشكل كامل، ولا يكون ذلك إلا بالعودة إلى الجهاد الشامل ضد الأعداء.

إنا في أمسّ الحاجة اليوم، لصناعة الأمة المجاهدة، التي ترفض الذل والاستعباد، وتحمل راية التحرر والانطلاق. وفي ظل الصحوة الإسلامية، لا يكفي أن نصنع فرداً مجاهداً فحسب، بل لابد من صناعة الأمة المجاهدة، وبون شاسع بين الصناعتين.

يقول الله عز وجل: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾!

أن تصنع إنساناً مجاهداً فهذا انتصار، ولكن أن تصنع أمة مجاهدة، فذلك انتصار أكبر وأعظم.

وبكلمة أقول:ليس المهم أن نكون مجاهدين كأفراد هنا وهناك، وفقط، وإنما المطلوب ـ والأهم ـ أن نكون أمة مجاهدة.

والذي يتدبر في الآيات القرآنية الكريمة يلاحظ أن أسلوب الخطاب الإلهي لم يأت بصيغة المخاطب المفرد، وإنما جاء ـ دائماً ـ بصيغة الخطاب الجماعي، ويدل ذلك على أن العمل المطلوب هو العمل الجماعي لصناعة أمة، لا لصناعة أفراد فحسب.

ولهذا نجد الآيات الكريمة تقول: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ8.﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ9﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ10.

يقول الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: “من قال لغازٍ أهلاً ومرحباً حياه الله يوم القيامة، واستقبلته الملائكة بالترحيب والتسليم“.

إن الأمة المجاهدة تعني أن يكون هنالك ارتباط بين الأمة والمجاهدين ولو بكلمة تشجيعّ أو تقديم المساعدات ولو كانت بمقدار درهم واحد!

ويقول الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً: “من جهّز غازياً بسلك أو إبرة غفر له الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر“.

ويقول صلى الله عليه وآله وسلم: “من أعان غازياً بدرهم فله أجر سبعين درة من درر الجنة وياقوتها، ليس منها حبة إلا وهي أفضل من الدنيا“.

ويقول صلى الله عليه وآله وسلم: “إن الله ليدخل بالسهم الواحد الثلاثة الجنة عامل الخشب (صانع الأسلحة) والمقوي به في سبيل الله (الذي يدفع ثمن السلاح) والرامي في سبيل الله“.

ولبناء الأمة الإسلامية المجاهدة لابد من حشد الطاقات والإمكانات المتنوعة، وفي شتى المجالات، ومختلف الوسائل السليمة.

ولابد من صناعة اللبنات الأساسية لبنة فلبنة، أي لابد من صناعة الإنسان الرسالي فهو الحجر الأساس لبناء الأمة المؤمنة المجاهدة.

إن من الضروري ـ في الوقت الراهن ـ أن يعمل الجميع في جبهة الأمة العريضة، جبهة المواجهة الساخنة ضد أعداء الله والإنسانية.

يقول الإمام علي عليه السلام لأصحابه حينما منع العدو عنهم منافذ المياه: “رووا السيوف من الدماء ترووا من الماء“.

ولا طريق لنا غير تشكيل الأمة المجاهدة، وإلا فسنكون كإبل ضل رعاتها، كلما جمعت من جانب انتشرت من جانب آخر!

ودعنا لا نكون كأولئك الذين يخاطبهم الإمام أمير المؤمنين عليه السلام فلقد سئم عتابهم حيث قال لهم: “أف لكم! لقد سئمت عتابكم!أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة عوضاً؟ وبالذل من العز خلفاً؟

إذا دعوتكم إلى جهاد عدوكم دارت أعينكم..

كأنكم من الموت في غمرة.. ومن الذهول في سكرة
!”.

ثم يتحدث لهم ويقول بكل حسرة وتأفف: “لبئس ـ لعمر الله ـ سعر نار الحرب أنتم! تكادون ولا تكيدون.. وتنتقص أطرافكم فلا تمتعضون.. لا ينام عنكم وأنتم في غفلة ساهون.. غلب والله المتخاذلون! وأيم الله إني لأظن بكم أن لو حمس الوغى..واستحر الموت، قد انفرجتم عن ابن أبي طالب..انفراج الرأس.. والله إن امرأً يمكن عدوه من نفسه يعرق، لحمه، ويهشم عظمه، ويفري جلده، لعظيم عجزه، ضعيف ما مضت عليه جوانح صدره. أنت فكن ذاك إن شئت، فأما أنا فوالله دون أن أعطي ذلك ضرب بالمشرفية تطير منه فراش الهام، وتطيح السواعد والأقدام، ويفعل الله بعد ذلك ما يشاء“.

على هذه الخطى. خطى أمير المؤمنين عليه السلام وتبنى معالم الأمة المجاهدة أليس كذلك؟

المصدر: كتاب افاق الجهاد الاسلامي، السيد محمد العلوي


المصادر والمراجع

  1. يس: 70.
  2. آل عمران: 64.
  3. آل عمران: 110.
  4. آل عمران: 139.
  5. المنافقون: 8.
  6. البقرة: 143.
  7. الأنفال :61.
  8. الحج: 78.
  9. الحج: 39.
  10. الأنفال: 74.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق