الإعداد والتأهب للجهاد

بسم الله الرحمن الرحيم 

﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ

كيف يمكن أن يكون المجاهد قوة ترهب العدو؟
وما هي شروط التأهب والاستعداد في مسيرة الجهاد؟
وهل يستطيع المجاهد ـ الذي يفقد الإمكانيات ـ أن يواجه العدو المتسلح بالإمكانيات؟
ما هي الصفات التي تعين المجاهدين في درب الجهاد؟ وكيف يحصل عليها؟

قبل الإجابة على ذلك نود أن نلفت الانتباه إلى أن الإعداد والتأهب للجهاد، إنما يكون إعداداً كاملاً وشاملاً إذا شمل الجوانب التالية:

1- الإعداد العقائدي.
2- الإعداد الروحي والنفسي.
3- الإعداد السياسي.
4- الإعداد العسكري.

إن مسيرة الجهاد وطريقه طريق شامل يشمل أبعاداً متعددة.. ولذلك فالمجاهد إذا أراد أن يستعد في هذا الطريق، ويتأهب ويعد العدة، يجب أن يعدها في هذه الجوانب الأربعة.

اولاً: الإعداد العـقائدي

ترى ما هي الدوافع والمنطلقات التي تدفع الإنسان إلى المبادرة في الحرب؟

بالطبع هنالك دافعان أو منطلقان
المنطلق الأول: منطلق الخوف من القوة الحاكمة. إذ تجد الكثير من الجنود الذين يخوضون الحروب، إنما كانوا يأتون بالإجبار والإكراه.

المنطلق الثاني: منطلق الإيمان والعقيدة.. ولذلك فإن الثوار تجدهم ـ في الغالب ـ أناساً متطوعين، لأنهم ـ في واقع الأمر ـ آمنوا بقضية معينة، كقضية التحرير ورفض الظلم الحاكم.

وهناك فارق كبير، وميزة فارقة مبينة، بين من يقاتل من منطلق الخوف، ومن يقاتل من منطلق الإيمان والعقيدة.

إن الذي يقاتل بدافع الخوف، يستخدم جزءاً بسيطاً ـ يقدر بـ 10% ـ من طاقاته، هذا بالإضافة إلى أنه يفكر بالرجوع والهرب والنجاة بنفسه أكثر مما يفكر في الانتصار وسحق الطرف الآخر.

بينما الذي يؤمن بقضية ما، هي التي تدفعه للتفاعل معها، فيحتضنها، ويدافع عنها ويستميت من أجلها، ويستخدم كل طاقاته الذاتية، بل ويحمل أضعافها.

وتتفاوت النسبة بين إنسان وآخر، فبقدر الإيمان بالقضية يكون الاندفاع وتكون التضحية.

وهكذا فالمجاهد ينطلق في جهاده على بصيرة من أمره وإيماناً بقضيته، وعارفاً بأن الحق إلى جانبه.
والسؤال الآن: كيف يتم الإعداد في الجانب العقائدي؟

الجواب: يكون ذلك عبر ما يلي: أن يكون الجهاد لله وفي سبيل الله ومن أجل رضا الله عز وجل.

أي ليس للمصالح،وليس للرئيس.. والأمير وليس لشيء.. غير الله عز وجل.

صحيح أن الجهاد يخدم مصلحة الإنسان المجاهد نفسه، وبالتالي يخدم مصلحة الأمة كلها.. ولكن يجب أن لا تكون انطلاقة المجاهد وإقدامه لهذا الهدف الجزئي، وإنما من أجل هدف أكبر وهو (في (سبيل الله).

ومن هنا فلو خسر المجاهد في ساحة المعركة، وخسرت الأمة الانتصار، فلا يكون ـ حينئذ ـ قد فقد كل شيء وإنما هو قد ربح التجارة مع الله، وقام بواجبه وأدى ما فرضه الله عليه.

ولهذا فإننا نجد أن الآيات القرآنية الكريمة لا تفتأ تذكر الجهاد إلا وجاءت بكلمة في (سبيل الله) أو (في سبيله) في ذيل الآيات المباركات.

يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ1.
ويقول عز وجل: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ2.

ويقول عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ3.
ويقول عز وجل: ﴿إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ4.
ويقول عز وجل: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ5.
ويقول عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ6.
ويقول عز وجل: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ7.
ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾8.
ويقول سبحانه: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ9.
ويقول عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ10.

ويقول الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: “فجاهد في سبيل الله، فإنك إن تقتل كنت حياً عند الله ترزق، وإن مت فقد وقع أجرك على الله“.
ويقول صلى الله عليه وآله وسلم: “غدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها“.
ويقول صلى الله عليه وآله وسلم: “من خرج في سبيل الله مجاهداً فله بكل خطوة سبعمائة حسنة“.
ويقول صلى الله عليه وآله وسلم: “مقام أحدكم يوماً في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عاماً.. ويوم في سبيل الله خير من ألف يوم في ما سواه“.
ويقول صلى الله عليه وآله وسلم: “يرفع الله المجاهد في سبيله على غيره مائة درجة في الجنة“.
ويقول الإمام علي عليه السلام: “الله.. الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله“.
ويقول عليه السلام: “أيها الناس استعدوا للمسير إلى عدو في جهاده القربة إلى الله، ودرك الوسيلة عنده“.

إذن.. فالمجاهد يعرف أن جهاده في سبيل الله ومن أجل رضوانه، ولهذا فهو يمضي قدماً في درب الجهاد لا يبالي بالموت وقع عليه أو وقع هو على الموت.

حينما كانت قافلة الإمام الحسين عليه السلام تسير نحو كربلاء.. أخذ سيد الشهداء الحسين عليه السلام يردد هذه الكلمات: “إنا لله.. وإنا إليه راجعون“.

وعندما سمع علي الأكبر ذلك، سأل الإمام عن السبب في ترديده هذه الكلمة، فأجابه الإمام عليه السلام: إني خفقت برأسي فعنّ لي فارس وهو يقول: القوم يسيرون والمنايا تسير بهم، فعلمت أنهاأنفسنا نعيت إلينا.

فقال علي الأكبر: لا أراك الله سوء.. أولسنا على الحق؟.

قال: بلى. والذي إليه مرجع العباد.

فقال: يا أبتي إذن.. لا نبالي أن نموت محقين.

وجاء في رواية أخرى أنه قال: إذن لا نبالي وقعنا على الموت أم وقع الموت علينا.

وهكذا نجد الإمام الحسين عليه السلام حينما سقط على أرض المعركة في ساحة كربلاء، وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة كان يقول: “بسم الله، وبالله، وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول الله، الحمد لله… هكذا ألقى الله وأنا مخضب بدمي، مغصوب حقي“.

لقد كان الإمام الحسين عليه السلام يؤكد على أن تحركه لم يكن من أجل شيء سوى من أجل الله وفي الله، كما كان يؤكد ذلك من قبل جميع الأنبياء والرسل.

لقد كان لهذا الجانب (في سبيل الله) الأثر والدور الكبير في نصرة المؤمنين، لأنهم كانوا ينظرون إلى الجهاد مثلما فرضه الله ـ عز وجل ـ وإرادة كفريضة واجبة مثل فريضة الصلاة والحج والخمس والزكاة.
لقد كانوا ـ أثناء مواجهتهم العدو ـ يرددون عبارات كثيرة مثل: “رضا برضاك” و”لا معبود سواك” و”إن كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى“.

هكذا.. إذن قتال من أجل الله، وليس من أجل هدف آخر.
وجهاد في سبيل الله، وليس في سبيل الدنيا والمصالح الذاتية.
وحرب، من أجل رضا الله، وليس من أجل رضا الناس.

ثانياً: الإعداد الروحي والـنفـسي

في هذا الجانب لابد من توفر كل الصفات الحسنة والضرورية في الإنسان المجاهد مثل الشجاعة، والإقدام والتضحية والصبر والحزم والمبادرة.

وهذا الإعداد يبدأ بالثورة على الذات.. فلأنك تريد مقاتلة عدوك وتكون بطلاً في ساحة المعركة، يجب عليك أن تكون بطلاً وتقاتل نفسك الأمارة بالسوء.

إن الذي لا يستطيع ردع نفسه، لا يستطيع ردع عدوه، كما أن الذي لا يستطيع التغلب على واقعه الذاتي لا يستطيع ولا يمكنه إحداث التغيير والانتصار في المجتمع وعلى العدو.

يقول الله عز وجل: ﴿(إنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ11.
ويقول عز وجل أيضاً: ﴿وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً12.

أي لابد من الاندفاع الذاتي، وامتلاك الضمير الحي الذي يتحرك وينبض بالفاعلية.

إن المجاهد حينما يرى ويحس بالظلم ينطلق للجهاد ذاتياً ويتوكل على الله تعالى..، وإذا استشف بأن الخنوع يخيم على الأمة يبادر بالعمل وشحذ الهمم للتغيير دون أن يحثه أو يدفعه إلى ذلك أحد.

كيف يكون الإعداد الروحي؟
الإعداد الروحي هو أن تبدأ بحمل (هم الجهاد) حتى تكون نفسيتك معدة للجهاد في أي فرصة، وفي أي مكان.
يقول الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: “من مات ولم يغزو ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من شعب النفاق“.

أي أن الذي يريد الإقدام في طريق الجهاد، وإعداد نفسه روحياً، لابد ـ على الأقل ـ أن يحدّث نفسه بالجهاد والغزو، وإلا فإنه سيموت على شعبة من شعب النفاق. إذ لا يمكن أن يكون الإنسان مؤمناً ما لم يكن إنساناً ملتزماً بقيم الدين ومبادئه.

وبعد مرحلة الاهتمام بالجهاد قلبياً، يجب أن تبدأ مرحلة العمل والمبادرة إلى قتال العدو، فتهاجمه قبل أن يهاجمك، وتغزوه قبل أن يغزوك في عقر دارك.

يقول الإمام علي عليه السلام: “بادروا جهاد عدوكم“.
ويقول عليه السلام: “أغزوهم قبل أن يغزوكم، فوالله ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا“.

أي لا يكفي أن تحمل هم الجهاد، دون أن تحول هذا الهم إلى عمل، وتبقى تنتظر العدو حتى يدخل بلادك ويقتلك وأنت نائم على فراشك.

يقال إن سارقاً دخل أحد البيوت ليسرق، وقبل فعل أي شيء أخذ صاحب البيت وأخرجه إلى الفناء الخارجي للبيت، وخط حوله دائرة في التراب وحذّره من الخروج منها.

ثم بعد ذلك دخل إلى البيت وسرق ما استطاع أن يجمعه من الحلي والأشياء الثمينة، وقبل أن يخرج راود امرأة ذلك الرجل، وهي تصرخ وتولول، وتستنجد زوجها، ولكن دون جدوى.

ذهبت تبحث عن زوجها ـ بعد أن خرج السارق ـ فوجدته واقفاً في داخل دائرة، فقالت له: لماذا لم تفعل شيئاً، لم تحرك ساكناً ضد هذا السارق؟

أجابها قائلاً: لقد تغلبت عليه مرات كثيرة.. وذلك حينما خرجت من هذه الدائرة التي رسمها لي، وخالفت أوامره..
إن مثل من ينتظر أن يغزوه عدوه كمثل هذا الرجل الذي دخل عليه السارق واعتدى على زوجته ولم يفعل شيئاً. بل ويكون أسوأ منه.

كما أن من الضروري ـ في الإعداد الروحي والنفسي ـ أن تكون روح المبادرة، كذلك يجب أن يكون الصبر، وهو صفة عظيمة وهامة يجب على كل مجاهد تنميتها في نفسه.

جاء في الحديث الشريف: “الصبر من الإيمان كمنزلة الرأس من الجسد”.

إن الجهاد يعني بذل الجهد، وبذل الجهد يحتاج إلى القدرة على التحمل، ألا وهي الصبر.

ولذلك يقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ13
ويقول تعالى: 
﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ14.

ويقول الإمام علي عليه السلام: “لا يعدم الصبور الظفر، وإن طال به الزمان“.

إن الانتصار يكون في اللحظات الحاسمة، فمن يصبر إلى آخر لحظة يفوز بالنصر، ويشبه ذلك لعبة جر الحبل، فمن يفقد الصبر والقدرة يخسر، ومن يشد ويصبر ويتجلد يربح.

يقال إن رجلين تباريا ـ ذات يوم ـ فاحموا حديدة إلى درجة الاحمرار، وبدأت اللعبة فوضعا أيديهما عليها، ومن يرفع يده عنها ـ قبل الآخر ـ فهو المهزوم، ومضت بعض اللحظات، فرفع أحدهم يده، فقال له الآخر ـ وهو الناجح ـ: كنت أنوي أن أرفع يدي الآن. ولكنك سبقتني بلحظة، فكنت أنت المهزوم.

وهكذا هو القتال.. فمن يكون صاحب النفس والصبر الطويل يحرز الانتصار على الطرف الآخر.

ومن الصفات الهامة الأخرى التي يجب على المجاهد ـ في سبيل الله ـ أن ينميها في نفسه هي: صفة الشجاعة.
وهي صفة ـ كباقي الصفات ـ تحتاج إلى التدريب والتشجع.

يقول الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: “إن الله يحب الرجل الشجاع ولو بقتل حية“.

ومن الصفات الهامة ـ أيضاً ـ في هذا المجال: صفة الثبات والصمود.

في وصايا الإمام علي عليه السلام القتالية يقول فيها: “عضّ على ناجذك.. أعر الله جمجمتك.. تدّ في الأرض قدمك“.
ويقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ15.

وهناك صفات كثيرة ضرورية وهامة للإنسان المجاهد، لكي يكون على أهبة الاستعداد نفسياً وروحياً ومنها صفة الإقدام، وصفة الحسم، وصفة الحزم.

وكل الصفات الأخرى الجيدة التي تجعل المجاهد مستعداً في بيته، وكأنه جندي يحمل بندقيته ويرابض في موقعه المتقدم من جبهات الصراع ضد العدو.

ونود أن نؤكد أن الإعداد الروحي والنفسي يشبه عمل الطالب الذي يجد ويجتهد طوال شهور الدراسة، ثم يتقدم للامتحان في نهاية السنة.. فلولا دراسته، ومطالعته السالفة لا يستطيع أن يحقق النجاح في الامتحان نهائياً.

كما ويشبه ـ أيضاً ـ الزارع الذي يحرث الأرض ويزرع البذرة ويسقيها بالماء طوال أيام عديدة حتى تنمو وتترعرع.
بقول المثل المعروف: “من جد وجد.. ومن زرع حصد”.

ويقول أيضاً: “من طلب العلا سهر الليالي”.

يقول الإمام علي عليه السلام: “قدر الرجل على قدر همته، وصدقه على قدر مروءته، وشجاعته على قدر أنفته، وعفته على قدر غيرته“.

ثالثاً: الإعداد السياسي

يقول الإمام الرضا عليه السلام: “المؤمن العارف بأهل زمانه لا تهجم عليه اللوابس“.

يعتبر هذا الحديث المروي عن الإمام الرضا عليه السلام منطلقاً للإعداد السياسي، الذي بات ضرورة حياتية، ودينية لكل إنسان مؤمن، ولكل عامل في سبيل الله، وبالتالي لكل إنسان مجاهد.

ومن هنا.. فالذي لا يتعرف على أهل زمانه، لا ينتظر سوى نزول الضربات والمشاكل على رأسه لا غير.
وهذه سنة من سنن الحياة، ولا يمكن لسنن الله عز وجل أن تتغير ولا تتبدل، وهو الذي قال في محكم كتابه الكريم: ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾، وفي آية أخرى: ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تحويلاً﴾.

وبالطبع فإن على قائمة (أهل الزمان) الذين يجب أن تتعرف عليهم هم (أعداؤك).

أن تتعرف على حجم قوة العدو.
وأن تتعرف على ثغراته ونقاط ضعفه.
وأن تتعرف على أساليبه وفنونه.
وأن تتعرف على أنواع أسلحته.
وأن تتعرف على كل شيء يخص عدوك.

وذلك حتى تحسب لكل شيء حسابه، فلا تتصور أن عدوك قوة لا تقهر، ولا تستهزئ بقدراته وكفاءاته.
إذ لا يمكن للمؤمن أن يحارب عدواً يجهله، فالعدو الذي نجاهده يعمل دؤوباً في رسم الخطط لمعرفة المجاهدين، والتعرف على قواهم، وها هي ذي الجامعات المختصة والعقول المفكرة تطالعنا بين الفينة والأخرى ببحوث ودراسات تعنى بشؤون ما يسمونه ظاهرة الإرهاب والحركات الأصولية. هذا ما يصل إلينا علناً وجهاراً، فكيف بما يخططونه ويرسمونه سراً لضرب المجاهدين والمؤمنين.

في مقابل كل ذلك على المجاهدين أن لا يكتفوا بترديد الشعارات البراقة دون أن يتغير من الواقع شيئاً، من هنا كان لابد للمجاهدين من أن يضعوا جزءاً من جهدهم للإعداد السياسي الذي يعني دراسة الطرف المقابل لهم وهو العدو، يدرسونه ويدرسون تاريخه وإمكاناته ليرفعوا من مستوى جهادهم بالحجم الذي يمكنهم منه.

ونحن نجد أن الإمام علي عليه السلام كان يفصح عن مواصفات أعدائه فيقول:
أيها الناس استعدوا للمسير إلى عدو في جهاده القربة إلى الله، وترك الوسيلة عنده، حيارى في الحق، جفاة عن الكتاب، نكب عن الدين، يعملون بالطغيان، ويعكفون في غمرة الضلال“.

ولقد جاء في آيات كثيرة في القرآن الكريم أن الله عز وجل يصف فيها الأعداء بأنهم قوم لا يفقهون، بذلك يحدد الثغرة الأساسية فيهم، إذ يقول عز وجل: ﴿وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾.

ويقول الله عز وجل في آيات أخرى:﴿أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ * لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ* لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ* كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ16.

إنك لتجد أن هذه الآيات توضح وبصورة جلية طبيعة العدو وطريقته، وأسلوبه، وقد بينت ثغرات العدو مثل:
1- النفاق وعدم الاتفاق فيما بينهم.
2- الهزيمة والانسحاب من المعركة، وعدم الصمود.
3- يخافون بـأس المؤمنين أشد مما يخاف المؤمن من ربه.
4- الجهل وعدم التفقه.
5- أسلوبهم في القتال يهابون القتال الجماعي المباشر مع المؤمنين إلا عبر طرق ملتوية.
6- قوتهم وقدراتهم قوية فيما بينهم فقط.
7- عدم تماسكهم وترابطهم.
8- وإنهم حمقى لا يعقلون.
ويقول الإمام علي عليه السلام وهو يصف أعداءه: “وقد أرعدوا وأبرقوا ومع هذين الأمرين الفشل”.
وهذه أيضاً من صفات العدو، فإنه يمتلك وسائل إعلامية ضخمة، ويشن حرباً نفسية واسعة النطاق، ولكنه في الواقع الخواء بعينه.

تلك كانت بعض ثغرات العدو ونقاط ضعفه التي يجب على المؤمن المجاهد أن يضعها نصب عينيه في معركته الطويلة، فما هي نقاط قوة الأعداء التي يجب أن يحسب لها حسابها أيضاً.

من نقاط قوة العدو

أولاً: امتلاكه الإمكانيات الكثيرة
في قبال هذه النقطة التي لا يمكن للمجاهد أن يواجهها بالكثرة، وبنفس الإمكانيات، إذ لابد من اعتماد الكيفية والنوعية الجيدة، وهذا صريح الآيات القرآنية التي تقول: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.والمواجهة الكيفية للعدو تكون بمزيد من بذل الجهد والصبر والاستقامة في المقاومة، واستخدام الطرق الأخرى، وفتح أبواب العمل التي لا تكون بيد الأعداء مثل تربية الناس وتنظيمهم مقابل عمل الطاغوت وهو شراءالضمائر.

فالمجاهد لا يستطيع بذل المال وشراء العملاء وهذا ليس من أخلاقه ـ مثلما يفعل الطاغوت، ويجيّش الجيوش الجرارة ـ فإنه بالتأكيد يستطيع تربية الضمائر وجعلها في صف العاملين المجاهدين.

وخلال الإعداد السياسي لمقاومة الطغاة يكون من الضروري التركيز على هذين الجانبين التاليين:
أولاً: معرفة الظروف، ودراسة المحيط الذي حولنا.

الوعي السياسي

وله جانبان
1- الجانب العلمي، أي معرفة طريقة الأعداء، ودراسة أساليبهم السياسية والعسكرية والاقتصادية.

2- الجانب الفني، وهو يعني تطبيق المعرفة على الواقع العملي، مثل خوض المواجهات السياسية والعسكرية وعدم الاقتصار على الجانب النظري فقط.

هنالك عدة ملاحظات في الإعداد السياسي ارتأينا إجمالها وإيرادها في هذا الباب وهي:
إن مسيرة الجهاد متكاملة وشاملة، لذلك فالإعداد لكل بعد من أبعاده يدخل ضمن استراتيجية واضحة ومتكاملة وضرورية في مراحلها المختلفة.

فالإعداد للجهاد في جميع أبعاده أمر لا يمكن تجاهله، حيث إن حالة المواجهة مع العدو تتطلب الارتفاع إلى مستوى من الوعي والإعداد الحضاري الذي يجلب لأمتنا التقدم والنجاح، ولأعدائنا الذل والهوان.

فإذا كان الإعداد العسكري من الأمور المسلمة للحروب في حالات السلم، فإن الإعداد السياسي لا يقل أهمية عن الأول، حيث إن الأخير يقرر سلفاً نوعية المواجهة في المعركة الحضارية التي تخوضها الأمة مع الأعداء.
قد يكون الإعداد السياسي حالة قائمة بشكل من الأشكال في الأمة، إلا أنه لا يتجاوز النظريات المسلية التي لا تخدم الأهداف الأساسية، ولا تدخل ضمن الاستراتيجية الواضحة.

لذلك يجب صب الإعداد السياسي ضمن قناة الممارسة السياسية والحضور في الساحة وعدم الغفلة.
هنالك في الحياة الكثير من الأحداث والقضايا التي يحيطها الغموض، وبالتالي فإن ملابسات هذه الأحداث قد تؤدي بالبعض إلى الانكفاء على الذات، أو التسرع في اتخاذ المواقف.

فيما يأتي الإسلام ليؤكد على ضرورة معرفة المؤمن للزمان والأحداث والتحولات التي تجري، لكي يتقي الضربات التي قد تأتيه من حيث لا يشعر.

والإعداد السياسي يجعل من المؤمنين المجاهدين في حالة الحذر وعلى أهبة الاستعداد، وبالتالي يكونون في مأمن من النوائب واللوابس المختلفة.

المجاهد الذي يعرف الزمان لا يثق بالأحداث السياسية والتغيرات التي قد تحصل بين الفينة والأخرى في أنظمة الحكم السياسية، وفي البلاد المختلفة حيث أن الطاغوت قد يقوم بمثل هذه الخطوات، ولكن لا من أجل المبدأ والعقيدة وإنما لامتصاص حالة معينة تمكنه من تجميع قواه من جديد لجولات قادمة.

يقول الإمام علي عليه السلام: “ينبغي لمن عرف الزمان أن لا يأمن الظروف“.
إن من بديهيات العمل الإسلامي والإيمان بالله واليوم الآخر هو الاستعداد لمواجهة المفاجآت والظروف المتباينة، وهذا يعني أن يتحمل الإنسان المؤمن المسؤولية، ويقوم بدوره المطلوب تجاه الأحداث السياسية، والقضايا المختلفة في الحياة.

يقول الإمام علي عليه السلام: “على العاقل أن يكون عارفاً بزمانه مقبلاً على شأنه“.
إذن على المجاهد المؤمن أن يعرف الزمان الذي يعيش فيه ولا يغفل عن عدوه. وبهذا يوفر على نفسه الكثير من الفرص لبناء المجتمع الإسلامي والأمة المؤمنة التي تحمل على عاتقها مسؤولية الرسالة، والدعوة إلى عبادة الله الواحد، وإقامة حكم الله في الأرض، كما أنها تساعد على الخروج من المعضلات السياسية وقراءة ما وراء السطور، وبالتالي الأمان من الأغوال المفاجئة.

رابعاً: الإعداد العـسكري

إن الإعداد العسكري ضروري للمجاهد في مواجهة العدو.. فلكي تردع العدو، وترده على أعقابه خاسئاً، لا بد من إعداد القوة في شتى المجالات، لابد من إرهاب العدو فقد قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ17.

إن كل دولة وحكومة في العالم تمتلك الجيش، وتصنع القوة العسكرية الرادعة. وليس هنالك ـ اليوم ـ دولة بلا جيش، ولا حكومة بلا جنود.

وهل يعني ذلك أن كل دول العالم تخوض الحرب، وبلا استثناء؟
بالطبع.. كلا.

ولكن لماذا إذن وجود الجيوش في كل الأصقاع، وماذا يعني ذلك؟
أوليس الجنود للحرب؟
نعم..

الجيوش نظمت ـ أساساً ـ في وقت السلم، ولكن لدخول المعارك في زمن الحرب.
فلا تستطيع أية حكومة أن تعيش بلا قوة عسكرية، تدافع عنها.

وفي عالم الذئاب هذا الذي تتسلح فيه الدول والحكومات حتى التخمة بمختلف أنواع الأسلحة المتطورة.. وتواجه به الثائرين، لا يستطيع الثائر إلا أن يكون كالذئب في عالم الذئاب والوحوش الكاسرة.

ولكي تواجه الأعداء الذئاب الذين يتربصون بك الدوائر لا يمكنك أن تكون حملاً وديعاً..

يقول الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: “يأتي على الناس زمان يكون الناس فيه ذئاباً، فمن لم يكن ذئباً أكلته الذئاب18.

إذن.. إعداد النفس، وامتلاك القوة الضاربة ضرورة للأمة في مواجهة الأعداء.

وذلك لسببين

الأول: أن الشعب والأمة التي تمتلك القوة، وتقوم بإعداد الرجال الأشداء.. إن هذه الأمة تكون عزيزة، وبالتالي فإنها لا تكون طعمة يفكر بغزوها واحتلالها القاصي والداني.

وإنما سيحسب لها ألف حساب قبل أن تُسدد إليها ضربة أو يلحق بها أي أذى، وستصبح أمة مهابة الجانب.

الثاني: فيما لو داهمها العدو، واعتدى على أراضيها، ودخل معها في حرب.. حينئذ تكون قادرة على خوض الحرب، ودخول المعركة بكل قوة، فتنزل البأس وتصب الحميم على رؤوس الغزاة، ويسهل عليها طرد العدو وإلحاق الهزيمة في صفوفه.

والإسلام أكد على أن يكون المسلمون على أهبة الاستعداد ـ دائماً ـ ولم يؤكد على أسلوب معين، ولا على سلاح واحد.

فالمجاهد له الخيار في اختيار الأسلوب والسلاح حسب ما يمليه عليه الظرف والمكان.

وتسأل: كيف يتم الإعداد للجهاد في الجانب العسكري؟
ونجيب: يكون الإعداد في جانبين:

الأول: الإعداد النظري
في هذا المجال لابد من معرفة الأسس والمبادئ العامة في مواجهة العدو، ومعرفة طبيعة الأسلحة ونوعيتها، وأسلوب الحرب النفسية، والحرب الخاطفة، وحرب المدن والجبهات، وما شابه ذلك.

الثاني: الإعداد العملي
ويبدأ الإعداد العملي من نقطة الاهتمام بالسلاح والتعود على حمله، من أجل خلق الحالة النفسية القابلة لاستخدام السلاح.
يقول الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: “إن الله يباهي بالمتقلد سيفه ـ في سبيل الله ـ ملائكته وهم يصلون عليه ما دام متقلده”.

ويقول صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً: “صلاة الرجل متقلد بسيفه تفضل على صلاته غير متقلد بسبعمائة ضعف”.

إن الذي يبدأ بحمل السلاح، لابد وأن ينتهي ـ تدريجياً ـ إلى التدرب عليه، وبالتالي استخدامه حينما تدق ساعة الصفر.

فلابد من السلاح لكل مسلم.. ولابد من الأمة المسلحة.. أو لا أقل لابد أن لا تهاب الأمة السلاح.

إلى هذا الحد.. هل يكفي ذلك في الإعداد في الجانب العملي؟
كلا.. إن الإسلام يؤكد على الجانب العملي المتطور، والأكثر عمقاً، فيقول الله عز وجل:(وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ).

إذ لا يكفي أن يحمل المسلمون السلاح، ويعلقوه في بيوتهم، ويضعونه في متناول أيديهم.. فلابد من إعداد القوة العسكرية بكل الاستطاعة.

فلابد من الإعداد العسكري الهائل الذي يدخل الرعب والرهبة في قلوب الأعداء.

وهذا هو الذي نفهمه من الآية الكريمة حينما أضافت الرهبة المطلوبة إلى جانب صبّ كل الجهود والطاقات. حيث قالت: (تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ).

فالإعداد يجب أن لا يكون مقتصراً على جانب واحد دون الجوانب الأخرى من العمل الجهادي الكبير.

يقول الحديث الشريف: “المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف”.

ولم يحدد ـ الحديث ـ نوعية القوة، سواء القوة الروحية أو النفسية أو العسكرية، فأي شيء يضاف إلى رصيد المؤمن ويزيد من قوته يكون مطلوباً.

والسؤال: كيف يكون المؤمن قوياً؟.. وكيف يتم إعداد هذه القوة؟
والجواب:

أولاً: الإعداد الجسدي..
فالعقل السليم إنما يكون في الجسم السليم.

ولهذا، فالإعداد الجسدي، سواء كان في المحافظة على الجسد سليماً من الأمراض، أو كان في جانب تربيته وتنمية القدرات البدنية لديه.

يقول الحديث الشريف: “العلم علمان: علم الأبدان.. وعلم الأديان“.
وفي سبيل المحافظة على الأبدان، نزلت الكثير من الأحكام الإسلامية التي تمنع الإنسان من إلحاق الضرر بجسمه، مثل حرمة أكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وما أكل السبع منها والنطيحة وشرب الخمر وأكل النجاسات والقاذورات.

يقول الله عز وجل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ19.

وليس هذا فحسب بل وحرم أداء الواجبات إذا ما أضرت بالإنسان، وعلى سبيل المثال: الصوم فريضة واجبة على كل إنسان، لكنها غير جائزة لمن هو مريض حتى يشفى من مرضه.

يقول الله عز وجل: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ20.

وهنالك قاعدة في الفقه الإسلامي تقول: لا ضرر ولا ضرار في الإسلام.

ولا يخفى ما للجسم من تأثير على نفسية الإنسان وروحيته.. فإذا سلم الجسم أثّر على عقل الإنسان وروحيته ونفسيته إيجابياً، وإذا مرض الجسم أثّر سلبياً.

وقد تسأل.. إذن ماذا يعني ـ هنا ـ الحديث الذي يقول: “ما ضعف بدن عما قويت عليه النية“؟

ونحن بدورنا نقول: ليس هنالك تناقض بين الفكرتين، فالجسد إذا كان مريضاً أو ضعيفاً، فلابد حينئذ من تقوية الروحية، وعندها لن يكون الجسد عائقاً أمام الروحية العالية ولكن ـ في نفس الوقت ـ لا نستطيع أن ننكر أن للجسم المريض أثره البالغ في إضعاف روحية الإنسان ونفسيته.

ومن هنا يقول الإمام علي عليه السلام: “امش بدائك ما مشي بك“.

حتى.. لا يؤثر مرضك سلبياً على روحيتك، فتظن أن مرضك سيهدك تماماً، فتقعد عن العمل والتحرك.
ويقول الإمام علي عليه السلام: “الصحة خير من المرض“.

هذا.. في جانب المحافظة على الجسد صحياً.. وأما في الجانب الآخر وهو تنمية الكفاءات الجسدية، فيقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: “علموا أولادكم الرماية، والسباحة، وركوب الخيل“.

وفي هذا الجانب.. ثمة صفات أخرى.. هي أيضاً ضرورية، ويجب تربية النفس عليها مثل: برودة الأعصاب، والسرعة، والحسم، والدقة، والقدرة على التنسيق.

يقول الإمام علي عليه السلام: “معاشر المسلمين استشعروا الخشية، وتجلببوا السكينة، وعضوا على النواجذ، فإنه أنبى للسيوف عن الهام“.

فالخشية هي الخشية من الله عز وجل والسكينة وهي الهدوء وبرودة الأعصاب، والعض على الأسنان يزيل توتر الأعصاب، ومن يتحلى بهذه الصفات يكون مقداماً حاضر الذهن ثابت الجنان، وبالتالي يستطيع أن يكون بعيداً عن متناول السيوف، بعد أن يتخلص منها بسيطرته على أعصابه وبهدوئه.

ويقول الإمام علي عليه السلام وهو يبيّن بعض مبادئ القتال التي يجب أن يأخذها بعين الاعتبار كل مجاهد:”وأكملوا اللامة وقلقلوا السيوف في أغمادها قبل سلها، والحظوا الخزر، واطعنوا الشزر، ونافحوا بالضبا، وصلوا السيوف بالخطا”.

ويقول عليه السلام في مجال اختيار ساحة الحرب والموقع الاستراتيجي:
فإذا نزلتم بعدو أو نزل بكم، فليكن معسكركم في قبل الإشراف (المواقع المرتفعة) أو سفاح الجبال، أو أثناء الأنهار، كما يكون لكم رداءً، ودونكم مرداً. ولتكن مقاتلتكم من وجه واحد أو اثنين، واجعلوا لكم رقباء في صياصي الجبال، ومناكب الهضاب، لئلا يأتيكم العدة من مكان مخافة أو أمن.

واعلموا أن مقدمة القوم عيونهم، وعيون المقدمة طلائعهم، وإياكم والتفرق، فإذا نزلتم فانزلوا جميعاً، وإذا ارتحلتم فارتحلوا جميعاً، وإذا غشيكم الليل فاجعلوا الرماح كفة، ولا تذوقوا النوم إلا غراراً أو مضمضة“.
ولأن القوة لا يردها إلا القوة، والرصاص لا يعرف إلا لغة الرصاص، يقول الإمام علي عليه السلام: “ردوا الحجر من حيث جاء فإن الشر لا يدفعه إلا الشر“.

فالجيوش الجرارة، والأسلحة الفتاكة، والقوة الجبارة، لا يمكن ردها وإلحاق الهزيمة بها، إلا بالتفوق عليها ـ ليس عبر الكلمة ـ وإنما بإعداد الرجال وامتلاك القوة التي ترهب العدو وترده خاسئاً على أعقابه.

فإذا أرادت الأمة العزة والكرامة والحرية والاستقلال.. وأرادت أن تبني حضارتها..
لابد لها من العدة والإعداد في مواجهة أعدائها.

المصدر: كتاب افاق الجهاد الاسلامي، السيد محمد العلوي


المصادر والمراجع

  • 1- الأنفال: 72.
  • 2- التوبة: 20.
  • 3- التوبة: 38.
  • 4- التوبة: 111.
  • 5- النساء: 84.
  • 6- الصف: 4.
  • 7- البقرة: 190.
  • 8- البقرة: 207.
  • 9- البقرة: 244.
  • 10- البقرة: 218.
  • 11- الرعد: 11.
  • 12- التوبة: 46.
  • 13- الأنفال: 65.
  • 14- البقرة: 249.
  • 15- الأنفال: 45.
  • 16- الحشر: 11-15.
  • 17- الأنفال: 60.
  • 18- تحف العقول 38.
  • 19- المائدة: 3.
  • 20- البقرة: 185

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق