أم موسى تكلمنا

حوارية افتراضية بين ثائر على ذات الشوكة وأم موسى النبي عليه وعلى نبينا وآله أفضل التحية والسلام، نُبيّن من خلالها التشابه بين الجماعة الثائرة ضد الظلم والطغيان في ذلك الزمن وبين الجماعات الثائرة القابضة على جمر المقاومة، وهذه دعوة صادقة للتمعن أكثر في هذه السيرة المباركة، ونهم المعارف الثورية منها.

ثائر على ذات الشوكة: أخبرينا أم موسى عن حالكم وما آلت إليه أوضاعكم، حدثينا بإسهاب عن ما جرى في تلك الليالي الصعاب الحالكة، أسمعينا أنباء القتل وسفك دماء الرعية، وأي رعية؟! أطفال رضع، وشباب يفع، وكهول رتع.

أخبرينا فلقد أحرقت الدموع مقلتينا من هول الخبر، حدثينا لقد جائتنا آيات تبدي فجائع الدهر، جاوبينا لعل ما يجري علينا يهون الخطب ويسترعي النظر، أسعفينا لكي نستهدي من أمركم أحلى العبر.

أم موسى: يا ولدي القلب يعج بالألم، قتلونا ونهبونا، ذبحونا وسرقونا، حرقونا وسحقونا، استعبدونا وفرّقونا، كي لا تبقى لنا قوة تقاوم آلام القهر والإذلال.

فانتبه بنيّ لقولي لأُبيّن لك ما قاسيناه من فعل فرعون وهامان، وطريق الانتصار عندما اتحدت الجماعة الثائرة حول هدفها، ونبذت الخوف من قلبها، وتعبّأت بالإيمان وحسن التخطيط، كان الانتصار الحتمي لكل مظلوم.

ثائر على ذات الشوكة: نعم، كلي آذان صاغية لك يا أم موسى.

أم موسى: عندما صك خبرٌ آذان فرعون، سيولد ثائر يقضي على عرشك وجبروتك. سعى أن لا يولد هذا الثائر، حتى لا يقضي على أحلامه، وملكه، وجبروته الزائف، وكان هذا بالرجوع للكهنة والسحرة ليستعلم منهم الحال.

أخذ الرأي بقتل كل طفل يولد، دب الرعب في كل الأرجاء، كل أمرأة تخفي حملها، لكي لا يأتيها مرتزقة فرعون وأعوانه، ليقتلوا وليدهم الجديد، ومرت الشهور والأيام حتى حبلت، وكان القتل على أشده، واستحياء النساء أصبح عادة مريرة.

وضعتُ الثائر المقاوم موسى عليه السلام، ولكني خفت عليه من أيدي خفافيش الظلام، علموا بذلك، هجموا على منزلي حتى عاثوا فيه الفساد، بحثوا في كل مكان ولم يجدوه، نعم، لقد أخفيت فلذة كبدي عن أنظارهم الذئبية ومخالبهم الوحشية.

ثائر على ذات الشوكة: أم موسى نحن نعاني ألمكم، يقتلونا، ويقتلون الثائر الصغير بالغازات وكل أدوات القمع والإرهاب لكي لا ينشأ هذا الوليد ويزعزع أمن الدولة، وسلطانها. يزرعون الخوف في قلوب أطفالنا الثوار لكي لا يستطيعوا النهوض لتدمير عرشهم العنكبوتي.

أم موسى: نعم يابني هذا شأن المتجبرالجائر. ولكن اعلم أن الله خير حافظ وأمين. من الخوف الذي كان يصنعه أوباش فرعون ألقيت الثائر النبي في البحر، وصل إلى قصر فرعون الطاغي، اشتد عود موسى الثائر عليه السلام في قصره وتحت ناظره، ولكن الثائر طبعه الثورة على الظلم والطغيان، فعارضه في كل أمر وتصرف ينافي العدل ويجنح للظلم.

أصبحت الكلمة هي شأن هذا الثائر، يصدح بها في أي وقت يرى فيه الظلم، والتكبر، وسلب الحقوق، والتمييز، وانتهاك البيوت على الظنة والتهمة.

ثائر على ذات الشوكة: نعم، نحن كذلك يا أماه لقد سلبوا حقوقنا، وانتهكوا حرماتنا، وهدموا مساجدنا ودنسوا حسينياتنا، لأننا طالبنا بحقوقنا المشروعة والعدل في الدولة، قابلونا بفنون التعذيب والقتل وسفك الدماء، امتهنوا كرامتنا وسلبوا عزتنا.

صدح لهم رجال يا أماه لا تأخذهم في الله لومة لائم يدافعون عنا، ويصدحون بالكلمة مع الخطر الكبير المحدق بهم، وبأموالهم، وأهليهم، ولكنهم لم يبدلوا من مواقفهم الأبية، وصراعهم المرير مع هذا القاتل المنتفخ بوهم التكبر.

أم موسى: نعم، في كل زمان يأتي رجال ثائرون، يؤثرون الراحة والذلة، ويركبون العزة ليقيموا الحق ويدحضوا الباطل.

أتعلم يا ولدي ماذا فعل فرعون؟ هدد فرعون الطاغية موسى الثائر والمقاوم لخططه بالقتل، فخرج موسى لا يعلم ماذا يفعل، وما سيؤل له أمره. بعد ذلك رأى أحداً من أصحابه يصارع قبطياً من أقباط فرعون، دافع عن المظلوم ضد الظالم، فوكزه فمات حتف أنفه، وأشيع الخبر في المدينة، أن موسى قتل قبطياً وحرّف الموقف بألوان التزييف وقلب الحقائق. أصبح موسى الثائر مطارداً، لا ملجأ له، ولا يدري ما يصنع.

جاء مؤمن قريش قائلاً لموسى أنهم يريدون قتلك، هاجِر لأرض الله الواسعة، فهاجَر بلا ماء ولا طعام، زاده الاطمئنان بصحة موقفه، ودفاعه عن المظلومين والمستضعفين، يمشي ليله ولعمري يستريح نهاره لكي يستخفي عن الأنظار والأعين.

ثائر على ذات الشوكة: أماه يا أم موسى نحن لدينا مطاردون كثيرون، ينامون في طرقات الشوارع والمقابر، وأسوار القرى، يؤول أمرهم إلى مقابر السجن أو يهاجرون في سبيل الله لأرض الله الواسعة بعد المعاناة والجهاد، والمقاومة، والكدح في ذات الله.

أم موسى: هاجر موسى يابني لكي يبني نفسه وفكره وقيمه، ويتعرف أكثر على قدرة الله وصنيعه، يُصنع بعين الله وتحت عنايته وفضله، حتى يكون إلهياً، وتكون الثورة إلهية منتصرة لا محالة. فدرس تحت يديّ نبي الله شعيب سنيناً عشرة، لمّا استجمع قواه، قرر الذهاب لمقارعة الظلم، رأى تلك النار، فاصطفاه الله، فقال له اذْهَبْ إِلى‏ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى‏، فدعا الله أن يمده بأسباب القوة كي يُؤيَد بالنصر، فأعطاه المعاجر وجعل هارون وزيره.

فأحكم أسلحته باللسان البليغ الذي يفهمه كل مضهد وعليل القلب والفهم، والمقاومة العنيدة في المواجهة المنتظرة بينه وبين فرعون. فرعون الذي ادّعى الربوبية، فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى‏، تعدى كل الحدود، فادّعى الربوبية، ونصب نفسه في مقام الألوهية، وعبّد بني اسرائيل لنفسه الضعيفة.

 ثائر على ذات الشوكة: أعذريني أماه لمقاطعتي، لقد نصب الطاغية  حمد نفسه منصب الإله، وادّعى الربوبية بمنطق فرعون، قائلاً: أن ذاته الملكية لاتمس، وأنه فوق القانون ولا يحاسب، تضحكنا مواقفه الغبية، وحماقته الحيوانية، يتحدى الله في سلطانه، وهو ذيل الكلب وتابع للشيطان الأكبر وخادمته عائلة آل سعود.

أم موسى: نعم، هذا شأن المغرور، يدّعي العظمة والأبهة، وهو قزم صغير لا يملك من نفسه شيء، فضلاً عن ملكية الأرض ومَنْ عليها. أمعن فرعون في الديار ظلماً وجوراً، يريد قتل موسى الثائر والمقاوم، صدع مؤمن آل فرعون مرة أخرى بالدفاع عن مقام النبوة والثورة مذكراً إياهم بالعذاب، وبالأمم السابقة، قوم نوح وعاد وثمود، فهم قريبوا العهد منكم، فيأخذكم الله بعذاب أليم. لكنه لم يعتبر ولم ينتبه من غفلته، قالَ فِرْعَوْنُ ما أُريكُمْ إِلاَّ ما أَرى‏ وَ ما أَهْديكُمْ إِلاَّ سَبيلَ الرَّشاد، أراد أن تجري سنة الله في نفسه، وفي جبروته، متحدياً موسى ورب موسى.

ثائر على ذات الشوكة: ما لي أرى التشابه كبير، يقابلونا بهذا المنطق الأخرق، يهددونا عند كل كلمة حق، وموقف صدق، بالسجن والقتل، المنطق هو هو، لا أريكم إلا ما أرى. خرج في يوم من الأيام المنفوخ ووجه للشعب أن لا يقرأ الكتب لأنها تعتبر مصدر خطر عليهم، يريد أن لا نسمع إلا لمنطقهم، ولقناتهم العوراء.

أم موسى: عندها شدّ موسى حيازيم المواجهة الحتمية مع فرعون الطاغية، استعد وهيأ أسباب المواجهة، مع النفر الذي ذاق مرارة الألم وطعم الذل. بدأ ببناء الجماعة المقاومة والمجتمع المقاوم، اشتروا المنازل، كانت منازلهم قريبة من بعضهم الآخر، حتى يُكوّنوا النواة  الأساسية للحركة السرية، بعيداً عن أنظار الجواسيس، أخذوا يحكمون خططهم وعملهم مع القائد النبي الثائر وأخيه هارون.

جاء الأمر الإلهي أن اخرجوا من مصر، وكانت الخطة الخروج ليلاً تبعاً للخطة المرسومة، للوصول للهدف وهو عبور النهر، ولكن الحركة كبيرة، تنبه جواسيس فرعون، فنادوا في الناس حاشرين، حتى رأى قوم موسى مقدمة جيش فرعون المجرم، دخل اليأس في قلوب الجماعة الثائرة، كان البحر من أمامهم، وبحر من الجنود من خلفهم، رأوا أن لا أمل بالنجاة، ولكن الأمل معقود على الله، إن معي ربي، المعية الإلهية والإيمان بالله، والانتصار للمبادئ يوجب المدد بعد التمحيص والابتلاء.

هذه سنة الله في الأرض يا ولدي، لابد من الابتلاء والتمحيص، ليرى الله صدق أمركم والتزامكم بمبادئكم، وانتصاركم للحق مع مرارة الألم، لكنه ألم بحلاوة الانتصار لله، والفوز بالتكليف، وإلا تجري سنة الاستبدال في حقكم.

ثائر على ذات الشوكة: فهمت ما ترمين إليه يا أم الثوار، تريدين منا مواجهة الظلم مهما عظم واستكبر، وأداء التكليف بأي صورة كانت بالكلمة والموقف والسلاح، نقف ضد الطاغوت ببسالة فإما العدل في الدولة وإما المقاومة المشرعة، النصر إما شهادة وإما فتح من الله على أيدي الثوار ورجال الله الفاتحين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق