عاشوراء …إصلاح أم إسقاط؟

الإصلاح الحقيقي الجذري هو الهدف:

قال الإمام الحسين(عليه السلام): “… إني لم أخرج أشراً، ولا بطراً، ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي على بن أبي طالب عليهما السلام، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن ردَّ عليّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق، وهو خير الحاكمين“(1).

هذه هي أهداف الثورة الحسينية المظفرة، وهذه خطوطها العريضة، لخصّها الإمام في هذه الكلمات الموجزة، المملوءة بالمعاني، المشحونة بالمفاهيم.

بيّن (عليه السلام) من خلال هذه الكلمات أنّ ثورته المباركة، وخروجه على الحكم القائم إنما كان لطلب الإصلاح، ولأجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والسيرة بسيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأبيه علي أمير المؤمنين(عليه السلام)، وهذا يعني أنّ هذه الثورة العظيمة تلتقي تماماً مع نفس أهداف الإسلام العظيم، وتنسجم معه تمام الإنسجام.

وهكذا لابد أن يكون شأن المصلحين الصادقين ومَن يقتدي بهَدْي أبي الأحرار(عليه السلام)، في كل مكان وزمان؛ بأن يكون الإصلاح الحقيقي هدفهم ورائدهم، وأن لا يستكثر الإنسان في سبيل تحقيقه أي تعب وعناء وتضحية فمن دون الإصلاح لن تصلح الحياة ولن تهنأ.

 

بلوغ الفساد ذروته في عهد يزيد:

لقد بلغ الفساد والفجور حدّاً لا يصحُّ السكوت عليه، أو الإغماض عنه، فقد بلغ بيزيد (لعنه الله) أنْ جاهر بفساده وفجوره الذي ورثه عن أبيه وأجداده، فصار يشرب الخمر – التي كان أبوه يتكتّم بشربها – علناً دون خشية من أحد ومن دون مراعاة لمشاعر المسلمين.

قال الجاحظ – والذي هو أموي الهوى سفياني النزعة-: “وكان يزيد لا يمسي إلا سكراناً ولا يصبح إلا مخموراً” (2) وكانت لـه مجالسه العابثة، ولياليه الحمراء، بين الراقصات والمغنيات وملاعبة القرود ومنادمة الفاسقين الفجرة من أمثال الأخطل ـ الشاعر المسيحي المعروف بالخلاعة ـ وسرجون النصراني(3).

لقد بلغ الفساد بيزيد (لعنه الله تعالى) أنْ قال في أمره عبيدُ الله بن حنظلة (غسيل الملائكة) – عندما خلع بيعته وطاعته وخرج عليه -: “والله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أنْ نُرمى بالحجارة من السماء، رجل ينكح الأمهات والبنات والأخوات، ويشرب الخمر، ويدع الصلاة، ويقتل أولاد النبيين“(4) فأي مسلم غيور يسعه – بعد ذلك كله – أن لا يخرج على حكم يزيد فضلاً عن حامي الشريعة وحافظ الدين أبي عبد الله الحسين(عليه السلام) والذي سخّر كل وجوده للدين وفي سبيل الدين الذي صلبه يزيد علنا على أعواد مشانقه؟!.

وإنَّ الانتماء الحقيقي لمدرسة الحسين(عليه السلام) لتفرض على الفرد والمجتمع أن الإقتداء بهذا المصلح العظيم، فلا يقبل بالفساد والظلم والطغيان أن يسود ويحكم، وأن تقدم التضحيات رخيصة في سبيل الإصلاح الجذري الذي يستأصل شأفة المنكر والبغي، ويحكم العدل والهدى.

 

تشويه أهداف الثورة:

إذن فخروج أبي الشهداء (عليه السلام) كان من أجل الحفاظ على البقية الباقية من دين الله (تعالى)، ومن أجل إحياء ما دفنته سياسات يزيد الفاسدة، خرج – كما يقول (عليه السلام) – من أجل أن يسير على سيرة جدّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلم يكن خروجه أشراً، ولا بطراً، ولا ظالماً ولا مفسداً.

وكيف يكون خروجه كذلك – فيكون مناقضاً لأهداف الإسلام – وهو ابن الإسلام البار الذي اختلط لحمه ودمه بالإسلام؟! كيف يكون كذلك وهو من تربّى في حجر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد غذّته تعاليم الرسالة ورضع من ثدي النبوة.

وكأنّه (عليه السلام) كان ينظر إلى ما قد يقوله البعض – من الأفّاكين – عن ثورته المقدّسة سواء في ذلك الزمن الذي تحرّكت فيه أحداثُ تلك الثورة، أم في ما يأتي من زمن وما يجيء من أتباع لأولئك الأفّاكين؛ فأعلن عن أهداف ثورته ليحول دون تسلّل تلك الشبهات والإفتراءات إلى الأمة التي سوف تستقبل وهج رسالة الثورة.

وهكذا تبتلى الثورات، والنهضات الإصلاحية الحقيقية في كل زمان ومكان، بمحاولات التشويه والكذب، والاتهامات الرخيصة؛ من أجل أن يمنع الطغاة والضالون من تحقيقها لأهدافها السامية، أو تمددها إلى خارج حدودها الجغرافية، وامتداد أثرها، وهنا يأتي دور الثوار في الإهتمام بالجانب الإعلامي، وعدم التراجع أمام الآلة الإعلامية للطواغيت مهما كانت ضخامة إمكاناتها؛ فشمعة الحقيقة الواحدة كفيلة بأن تبدد الأطنان من زيف الظلام.

 

عظمة الثورة بعظمة أهدافها:

وإذا عرفنا أنّ ثورةً هذه أهدافها السامية، ودوافعها المقدّسة فلن يكون عسيراً علينا – بعد ذلك – تفسير كل تلك التضحيات التي قُدّمت فيها، ولن نستغرب من تلك المشاهد التي تبدو محيّرةً للألباب أخاذّةً للعقول والنفوس، مواقف التضحوية والشجاعة والإستبسال والإيثار وغيرها من مواقف مشرقة كانت تُشكّل ذوباناً في الله(تعالى)، وانصهاراً في الرسالة الحقّة، وتشبُّعاً بمفاهيمها ومبادئها.

وهنا ينبغي لنا أنْ نتوقف عند هذه المحطة، ونتأمل في هذه النقطة، عند أول درس تلقيه علينا هذه الثورة المقدّسة، وهو دور الدوافع، ومدى قيمتها، ومدى ما تعطيه من محركيّة، وتُفجّره من انطلاقة.

فالهدف الكبير ينبغي أن يكون حاضراً دائماً في حركتنا كأفراد، وانطلاقتنا كأمة، ولا يصح لنا – كأفراد وكأمة – أن نغفل عن هذه الأهداف الكبيرة، أو أن نشتغل عنها بدوني الأهداف وسفاسف الأمور. وكلما كان الهدف كبيراً كانت محرّكيته أكبر، ودافعيته أقوى.

وكذلك تُعطي هذه النقطة المهمة أنه كلما كبرت الأهداف كلما رخصت في سبيلها التضحيات، ومقدار التضحيات إنما يكون من مقدار الأهداف وحجمها، وإذا رأينا ضخامة التضحيات التي قُدّمت، والقرابين التي بُذلت في تلك الثورة المقدّسة، عرفنا عظمة أهداف تلك الثورة، الثورة التي استحقت أن يقدّم فيها أعظم إنسان على وجه الأرض في ذلك اليوم وهو الإمام الحسين (عليه السلام) مع أهل بيته وأصحابه قرابين على طريق الرسالة الخاتمة، فبما أن الأهداف هي أعظم الأهداف استحقت أعظم التضحيات في سبيلها.

وهذا يُعلمنا أنْ نوازن بين قيمة الهدف المنشود، وقيمة التضحية التي يستحقها الهدف، يُعلمنا أن نحرص كل الحرص على أنْ لا نقدّم إلاّ ما يتناسب مع الهدف، فإذا كان الهدف كبيراً استحق منا التضحيات الكبيرة، وإذا كان الهدف دون ذلك استحق من التضحيات ما يتناسب وحجمه، ويُعلمنا – أيضاً – أن بعض الأهداف التي تُرفع – هنا أو هناك – لا تستحق أنْ ترفع كأهداف، فضلاً عن أن تُبذل في سبيلها التضحيات.

 

ثورة “14 فبراير” شعاع من ثورة الحسين(عليه السلام):

وهكذا يجب أن تكون ثورتنا المباركة – وهي كذلك بإذن الله تعالى)- ثورة تستهدف الإصلاح الحقيقي الجذري، فلا قيمة لتغيير شكلي ينقلب عليه النظام الغادر الفاجر بعد مدة – كما في المرات السابقة المتكررة حيث عودنا على الغدر ونكث العهود – لا قيمة لتلك الإصلاحات الشكلية؛ إذ لا ضمان مع بقائه، وبقاء موازين القوة بيده، من الجيش والشرطة والأمن الوطني وما شابه، ولا ضمان – كذلك – مع رعاية دولية لا يمكنها التخلّص من هيمنة أمريكا وفرض رؤاها التي تنسجم مع مصالحها. وإنَّ الإحتياط للدين وشأن الدماء، والحصافة السياسية لتفرض علينا أن لا نقبل إلا بحكم الشعب لنفسه؛ لئلا تتكرر المأساة وتسفك الدماء، وتنتهك الحرمات، ونبدأ نهضة جديدة وتضحيات جديدة في كل مرة، بسبب عدم استكمالنا للتغيير الحقيقي ولجوئنا للتسويات، وأنصاف الثورات.

قال آية الله الشيخ محسن الأراكي(دام ظله): “وكذلك ثورة الحسينيّين في البحرين، ثورة إصلاحيّة تغييريّة تريد أن تغيّر الواقع الظالم الفاسد إلى واقع صالح عادل يحكم فيه المعروف، ويموت فيه المنكر. وليس معنى الإصلاح الإبقاء على نظام الحكم الفاسد، والاكتفاء بالرتوش التجميليّة الّتي لا تغيّر من الواقع الجائر الفاسد شيئاً، بل يعني إزالة الفساد من جذوره، وتغيير نظام الحكم الفاسد، وإقامة البديل الإسلاميّ العادل القائم على أساس حكم الله سبحانه وتعالى“(5).

لا قيمة حقيقية لإصلاح يكون فيه الطاغية، مصاص الدماء، منتهك حرمة الأعراض والمقدسات ملكاً حتى لو قام بإصلاحات لأنه حاكم غير شرعي، فكيف إذا قام بإصلاحات شكلية!

قال الإمام الخميني(رض): “… لا يصدق المرء أنهم يريدون تحقيق خطوة إصلاحية، ولو قاموا بها، لما قُبلت.

وإذا فرضنا أن الملك أو حكومته يريدون جعل الجنة لنا، فنحن لا نريد جنة تًصنع بيد الملك أو بيد خادمه، – ولن يحدث مثل هذا، ونحن نرفضه على فرض حدوثه – لأن الملك غير شرعي طبق القوانين وطبق الشريعة المطهرة، وليس ملكاً أصلًا، وكذلك حال الحكومة، ولذا نرفضه نحن والشعب، ونأبى جميع أعمالهم سواء أقاموا لنا جنة أو جهنم”.. صحيفة الإمام، ج5، ص 309.

إن هؤلاء الطغاة قد تعودوا على الأخذ من دون حساب، ونبتت لحومهم على الحرام، وسكروا بلذة التحكّم والتجبّر، وعاشوا حياتهم على هذه الشاكلة، ولا يمكن أن يتحولوا بين ليلة وضحاها من ذئاب مفترسة إلى أهل عدل وإصلاح ووفاء.

لقد كان الإمام الخميني(رض) حكيماً جداً حين أغلق كل أبواب المصالحة مع الشاه المقبور، حيث قال(رحمه الله): “لقد غفل أولئك الذين كانوا يأتون إلي، وكذلك بعض العلماء الذين كانوا يبعثون إلي بالرسائل ولنفترض أنهم كانوا يفعلون ذلك عن حسن نية، غير أن الذين كانوا يأتون للقائي، حتى عندما كنت في باريس، ولأنهم كانوا يائسين من إمكانية مواصلة النهضة، بمثل هذا العمل، فكانوا يسعون للخير ويقولون دع الآن الأمر يتقدم شيئا فشيئاً، واترك هذا (الشاه) يملك ولا يحكم، ويعمل في إطار القانون، ونقوم نحن بعد ذلك بتشكيل المجلس ثم نقوم بعزله في ضوء القانون. إنه هو بنفسه أراد القيام بهذه الخدعة، وهؤلاء كانوا قد غفلوا عن ذلك! لقد أرسل إلي مراراً من باب الخدعة والمكر “دعوني أبقى في العرش، وتسلم جميع أمور إيران إليكم، الكل بيدكم، وأنا أملك فقط“!

كنت أعلم أن هذا الاقتراح ليس من عندهم.

وكنت أقول لهم: إذا خمدت هذه الثورة القائمة الآن فهل تستطيعون إحياءها ثانية؟

كانوا يقولون: لا.

فكنت أقول: إذا خالف هذا الشخص الاتفاق (أنا أملك ولا أحكم) غداً عندما تخمد النهضة واستعاد قوته، فهل لديكم القدرة على السيطرة عليه؟ هل لديكم ضمان على وفائه بقوله؟

كنت أقول: الآن وقد وجدت مثل هذه الثورة ولن يتحقق لها مثيل، فلم لا نطالب بجميع أهدافنا؟ إن هدفنا الأصلي هو أن لا ينهب الأجانب ثرواتنا، لا ينهب هؤلاء الأجانب كل ما عندنا، لا يخرب هؤلاء الأجانب ثقافتنا، لا يجعل هؤلاء الأجانب جيشنا طفيلياً، فلماذا نمنحه الفرصة الآن؟ أنه إذا أحس بالقوة فإنه سيوجه لنا ضربة قاصمة!

وهو يسعى لامتلاك القوة. إنه يأتي الآن مدعياً (أيها الشعب، أيها الناس أيها العلماء الأعلام)! وهو الذي كان ينعت العلماء الأعلام بالحيوانات النجسة! فكيف يأتي الآن ويقول (أيها العلماء الأعلام أمهلوني! لقد أخطأت)! إنه سوف يكرر هذا الخطأ دائماً”.. صحيفة الإمام، ج7، ص 165.

أخذ الله بأيدينا جميعاً للسير على هدى المصلح العظيم، أبي عبد الله الحسين(عليه السلام)، الذي ضحّى بكل ما لديه في سبيل الله(تعالى)، وكانت ثورة ملهمة للأحرار في كل مكان.

__________________

المصادر:

  • 1 ـ مقتل الحسين (عليه السلام) للمقرّم ص166.
  • 2 ـ وارث الأنبياء، الشيخ محمد مهدي الآصفي، ص50.
  • 3ـ وارث الأنبياء، الشيخ محمد مهدي الآصفي،ص50.
  • 4 ـ وارث الأنبياء، الشيخ محمد مهدي الآصفي، ص148.
  • 5ـ من كلمة له(حفظه الله) بتدشين شعار عاشوراء لعام 1433هـ، بتاريخ: 29 ذو الحجّة الحرام 1432 هـ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق